الصفحة 30 من 40

فموسى سمع كلام الله بالحقيقة الذي هو صفة له بلا كيف ولا صورة نظم الحروف ولا أصوات، والذين كانوا معه أيضًا سمعوا صوتًا مخلوقًا جعل لهم علامة ودلالة على صحة التكليم، وخلق الله سبحانه لهم بذلك العلم الضروري، وسمي ذلك الذي سمعوه كلامه؛ إذ كان دلالة عليه، كما تسمى التلاوة وهي الحروف المتلو بها القرآن: كلام الله تعالى؛ إذ هي دلالة عليه.

فإن قلت: فما يبقى على السامع إذا سمع كلام الله تعالى الذي يستفيد معرفة وحدانيته وفقه أمره ونهيه وفهم مراده وحكمه يلحقه العلم الضروري فيما أرى بأنه الشيء المرسل إلا بأن يشتغل بإصلاح الخلق دونه ولو كان عوضًا منه أخر عنه ومقامه مقامه؟.

فاعلم أن الذي أوجب عثورك ودوام زللك واعتراضك على العلوم بالجهل وعلى الحقائق بالمخايل أنك بعيد عن غور المطالب، قعيد في شرك المعاطب، قعيد صوب الصوت عتيد صحب السحاب، إن الذي استحق به الناظر السالك الواصل المرتبة الثالثة سماع نداء الله تعالى معنى ومقام وحال وخاصة أعلى من تلك الأولى وأجل وأكبر وبينهما ما بين من استحق المواجهة بالخطاب والقصد به، وبين من لا يستحق أكثر من سماعه من يخاطب به غيره، فهذا من الإشارة باختلاف ورود الخطاب إليهما مما يوجب نفورًا وتباين ما بينهما. فإن فهمت الآن وإلا فقد عني لأندر حال.

فإن قيل: ألم يقل الله تعالى: {فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أحَدًا إلاَّ مَن ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} قلنا في الكلام حذف يدل على صحة تقديره الشرع الصادق والمشاهدة الصورية، وهو أن يكون معناه: إلا من ارتضى من رسول ومن اتبع الرسول بالإخلاص والاستقامة، أو عمل بما جاء به النبي؛ لأن النبي قال:"اتَّقُوا فَرَاسَةَ المؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ الله". وهل يقى إلا ما غاب عنه أن ينكشف إليه وقال:"إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مُحَدَّثُونَ فَعُمَرُ"أو كما قال:"المُؤْمِنُ يَنْظُرُ بِنُورِ الله"وفي القرآن العزيز: {قَالَ الَّذي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتَابِ أنَا آتِيكَ بهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إليْكَ طَرْفُكَ} {فإذا جَاءَ وَعْدُ رَبي جَعَلَهُ دَكَّاءَ، وَكَانَ وَعْدُ رَبي حَقًّا} {إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى? مِنْ رَسُولٍ} فدل على أن في الآية حذف مضاف معناه ما تقدم، وانظر إلى ما ظهر من كلام سعد رضي الله عنه أنه يرى الملائكة وهو غيب الله، وأعلم أبو بكر بما في البطن وهي من غيب لله، وشواهد الشرع كثيرة جدًا يعجز المتأول ويلهو المعاند. هذا والقول بتخصيص العموم أظهر من الجرأة وأشهر مما نقل الكافة، ويحتمل أن يكون المراد في الآية بالرسول المذكور فيها: ملك الوحي الذي بواسطته تنجلي العلوم وتنكشف الغيوب، فمتى لم يرسل الله ملكًا بإعلام غيب، أو يخاطب مشافهة، أو إلقاء معنى في روع أو ضرب مثل في يقظة أو منام، لم يكن إلى علم ذلك الغيب سبيل، ويكون تقدير الآية: فلا يظهر على غيبه أحدًا إلا من ارتضى من رسول أن يرسله إلى من يشاء من عباده في يقظة أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت