الصفحة 31 من 40

منام، فإنه يطلع على ذلك أيضًا. ويكون فائدة الإخبار بهذا في الآية الامتنان على من رزقه في الله تعالى علم شيء من مكنوناته، وإعلامه أنه لا تصل إليها نفسه ولا مخلوق سواه إلا بالله تعالى حين أرسل إليه الملك بذلك وبعثه الله، حتى يتبرأ المؤمن من حوله ومن حول كل مخلوق وقوته، ويرجع إلى الله تعالى وحده، ويتحقق أنه لا يرد عليه شيء من علم أو معرفة أو غير ذلك إلا بإرادته ومشيئته ويحتمل وجه آخر: وهو أن يكون معناه والله أعلم: فلا يظهر على غيبة أحدًا إلا من ارتضى يريد من سائر خلقه وأصناف عباده، ويكون معنى"من رسول"أي عن يد رسول من الملائكة.

ومعنى: ولايتخطى رقاب الصديقين. إن قلت: ما الذي أوصله إلى مقامهم أو جاوز به ذلك ـ وهو في المرتبة الثالثة حال المقربين ما وصل حيث ظننت ـ فكيف يجاوزه، وإنما خاصية من هو في رتبة الصديقين عدم السؤال لكثرة التحقق بالأحوال، وخاصية من هو في رتبة القرب كثرة السؤال طمعًا في بلوغ الآمال، ومثالهما فيما أشير إليه مثال إنسانين دخلا في بستان: أحدهما يعرف جميع أنواع نبات البستان ويتحقق أنواع تلك الثمار ويعلم أسماءها ومنافعها؛ فهو لا يسأل عن شيء مما يراه ولا يحتاج إلى أن يخبر به، والثاني لا يعرف مما رأى شيئًا أو يعرف بعضًا ويجهل أكثر مما يعرف، فهو يسأل ليصل إلى علم الباقي، وذلك من تكلمنا عليه حين أكثر السؤال عما يبعد عنه حاله ويتخلف عن مقامه إلى ما هو أعلى منه، وكان غير مراد لذلك إما في ذلك الوقت أو الأبد، وتلك العلوم متى كانت لا تنال بالكسب وإنما تنال بالمنح، فقيل له: لا تتخط رقاب الصديقين بالسؤال، فذلك مما لا يخطر به وليس هو من الطرق الموصلة إلى مقامهم، فارجع إلى الصديق الأكبر فاقتد به في حاله وسيرته فعساك ترزق مقامه، فإن لم يكن فتبقى على حالة القرب وهي تتلو الصديقية، فهذا معناه.

ومعنى انصراف المالك الناظر بعد وصوله إلى ذلك الرفيق الأعلى: إما أنه لما وصل إليه بالسؤال صرف إليه ما لاق به من الأحوال ليحكم ما بقي عليه من الأعمال كما قال المصطفى للذي سأله أن يعلمه غرائب العلم: اذهب فأحكم ما هناك، وبعد ذلك أعلمك غرائب العلم. وأما صفة انصرافه فإن نهض بالبحث ورجع بالتذكر، وفوائد المزيد ووجه أن من لم يستطع المقام في ذلك الموضع بعد وصوله إليه، فذلك لتعلق خبر المعرفة بالبدن ومسكنه عالم الملك ولم يفارقه بعد الموت وطول الغيب عنه لا يمكن في العادة، ولو أمكن لهلك الجسم وتفرقت الأوصال، والله تعالى أراد عمارة الدنيا وقد سبق في علمه {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} ومعنى بأن ليس في الإمكان أبدع من صورة هذا العالم ولا أحسن ترتيبًا ولا أكمل صنعًا، ولو كان ادخره مع القدرة كان ذلك بخلًا يناقض الكرم الإلهي، وإن لم يكن قادرًا عليه كان ذلك عجزًا يناقض القدرة الإلهية، فكيف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت