فهرس الكتاب
يقضى عليه بالعجز فيما لم يخلقه اختيارًا وكان ذلك ولم ينسب إليه ذلك قبل خلق العالم، ويقال: ادخار إخراج العالم من العدم إلى الوجود عجز مثل ما قيل فيما ذكرناه. وما الفرق بينهما؟
وذلك لأن تأخيره بالعالم قبل خلقه عن أن يخرجه من العدم إلى الوجود يقع تحت الاختيار الممكن، من حيث إن الفاعل المختار له أن يفعل، فإذا فعل فليس في الإمكان أن يفعل إلا نهاية ما تقتضيه الحكمة التي عرفناها أنها حكمة، ولم تعرفنا بذلك إلا لنعلم مجاري أفعاله ومصادر أموره، وأن نتحقق أن كل ما اقتضاه ويقضيه من خلقه بعلمه وإرادته وقدرته أن ذلك علم غاية الحكمة ونهاية الإتقان ومبلغ جودة الصنع، ليجعل كمال ما خلق دليلًا قاطعًا وبرهانًا على كمال في صفات جلاله الموجبة لإجلاله، فلو كان ما خلق ناقصًا بالإضافة إلى غيره ما قدر على خلقه، ولم لم يخلق لكان يظهر النقصان المدعى على هذا الوجود متى خلقه كما يظهر على ما خلقه على غير ذلك، ويكون الجميع من باب الاستدلال على ما صنع من النقصان قطعًا، وما يحمل عليه من القدرة على أكمل منه ظنًا، إذ خلق للخلق عقولًا وجعل لهم فهومًا وعرفهم ما أكن وكشف لهم ما حجب وأجن، فيكون من حيث عرفهم بكماله دلهم على نقصه، ومن حيث أعلمهم بقدرته بصرهم بعجزه، فتعالى الله رب العالمين الملك الحق المبين. وأيضًا فلا يعترض هنا ويتزر به إلا من لا يعرف مخلوقاته ولم يصرف الكلام الصحيح في مشابه ذلك أصلًا في العلم، أو كان نسخًا له ومعنى نقيس عليه غيره، وأما انكشافه بخبر ممن رزق علم ذلك كان بطلان العلم في حق المخبر، إذ أفشاه لغير أهله وأهداه لمن لا يستحقه، كما روي عن عيسى على نبينا وعليه السلام: لا تعلقوا الدر في أعناق الخنازير.
وإنما أراد قطع العلم عن غير أهله. وقد جاء: لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم، ولا تضعوها عند غير أهلها فتظلموها. وأما سر العلم الذي يوجب كشفه بطلان الأحكام، فإن كان كشفه من الله سبحانه لقلوب ضعيفة، بطلت الأحكام في حقها لمن يطلع عليه في ذلك السر من معرفة مآل الأشياء وعواقب الخلق وكشف أسرار العبادة وما يظن من مقدور، فمن عرف نفسه مثلًا أنه من أهل الجنة لم يصل ولم يصم ولم يتعب نفسه في خير، وكذلك لو انكشف له أنه من أهل النار كمل انهماكه فلا يحتاج إلى تعب زائد ولا تصيبه مكابدة، فلو عرف كل واحد عاقبته ومآله بطلت الأحكام الجارية عليه. وإن كان كشفها من مخبر استروح الضعيف إلى ما يسمع من ذلك فيتعطل وينخرم حاله وينحل قيده، وبعد هذا فلا يحمل كلام سهل إلا على ما يقدر لا على ما يوجد، ولذلك جعله مقرونًا بحرف"لو"الدال على امتناع الشيء لامتناع غيره، كما يقال: لو كان للإنسان جناحان لطار، ولو كان للسماء درج لصعد عليها، ولو كان البشر ملكًا لفقد الشهوات، فعلى هذا يخرج كلام سهل في ظاهر العلم.