فهرس الكتاب
من القسمة وقسم آدم عليه السلام كذلك، فوجد كل نحوين منهما شبيهين فمن ذلك أن العالم ينقسم إلى قسمين: أحد القسمين ظاهر محسوس كعالم الملك، والثاني: باطن معقول كعالم الملكوت، والإنسان كذلك ينقسم إلى ظاهر محسوس كالعظم واللحم والدم وسائر أنواع الجواهر المحسوسة، وإلى باطن كالروح والعقل والعلم والإرادة والقدرة وأشباه ذلك، وقسم آخر: وذلك أن العالم قد انقسم بالعوالم إلى عالم الملك وهو الظاهر للحواس، وإلى عالم الملكوت وهو الباطن في العقول، وإلى عالم الجبروت وهو المتوسط الذي أخذ بطرف من كل عالم منهما، والإنسان كذلك انقسم إلى ما شابه هذه القسمة؛ فالمشابه لعالم الملك: الأجزاء المحسوسة وقد علمتها، والمشابهة لعالم الملكوت فمثل الروح والعقل والقدرة والإرادة وأشباه ذلك، والمشابه لعالم الجبروت فكالإدراكات الموجودة بالحواس والقوى الموجودة بأجزائه. والوجه الثاني: أن يكون معناه كفرًا للسامع لا للمخبر، بخلاف الوجه الأول، ويكون هذا مطابقًا لحديث النبي:"لاَ تُحَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا لَمْ تَصِلْهُ عُقُولُهُمْ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ الله وَرَسُولُهُ؟"فمن حدث أحدًا بما لم يصله عقله ربما سارع إلى التكذيب وهو الأكثر، ومن كذب بقدرة الله تعالى وبما أوجدتها فقد كفر ولو لم يقصد الكفر؛ فإن أكثر اليهود والنصارى وسائر الكفار ما قصدت الكفر ولا تظنه بأنفسها وهي كفار بلا ريب؛ وهذا وجه واضح قريب، ولا تلتفت إلى ما مال إليه بعض من لا يعرف وجوه التأويل ولا يعقل كلام أولي الحكمة والراسخين في العلم حين ظن أن قائل ذلك أراد الكفر الذي هو نقيض الإيمان والإسلام بتعلق مخبره وتلحق قائله، وهذا لا يخرج إلا على مذاهب أهل الأهواء الذي يكفرون بالمعاصي، وأهل السنن لا يرضون بذلك.
وكيف يقال لمن آمن بالله واليوم الآخر وعبد الله بالقول الذي ينزه به والعمل الذي يقصد به المتعبد لوجهه الذي يستزيد به إيمانًا ومعرفة له سبحانه، ثم يكرمه الله تعالى على ذلك بفوائد المزيد وينيله ما شرف من المنح ويريه أعلام الرضا، ثم يكفره أحد بغير شرع ولا قياس عليه، والإيمان لا يخرج عنه إلا بنبذه واطراحه وتركه واعتقاد ما لا يتم الإيمان معه ولا يحصل بمقارنته، وليس في إفشاء سر الولي ما يحصل به تناقض الإيمان، اللهم إلا أن يريد بإفشائه وقوع الكفر من السامع له فهذا عات متمرد وليس بولي، ومن أراد بأحد من خلق الله أن يكفر بالله، فهو لا محالة كافر. وعلى هذا يخرج قوله تعالى: {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} .
سؤال: فإن قيل: فما معنى قول سهل رحمه الله تعالى ونسب إليه: للإلهية سر لو انكشف لبطلت النبوات، وللنبوات سر لو انكشف لبطل العلم، وللعلم سر لو انكشف بطلت الأحكام. وجاء في الإحياء على أثر هذا القول، وقائل هذا القول إن لم يرد به إبطال النبوة في