فهرس الكتاب
حق الضعفاء فما قالوا ليس بحق، فإن الصحيح لا يتناقض والكامل من لا يطفىء نور معرفته ونور ورعه، وهذا وإن لم يكن من الأسئلة المرسومة فهو متعلق منها بما فرع من الكلام فبها آنفًا وناظر إليه، إذ ما أدى إفشاؤه إلى إبطال النبوة والأحكام والعلم كفر.
فالجواب: أن الذي قاله رحمه الله وإن كان مستعجمًا في الظاهر فهو قريب المسلك، باد للمتأمل الذي يعرف مصادر أغراضهم ومسالك أقوالهم الإلهية. ومن وصل إليه اليقين الذي لولاه لم يكن نبيًا لا يخلو أن يكون انكشافه من الله بما يطلع على القلوب من أنوار الشمس التي هي غائبة عنها بأن كانت القلوب ضعيفة طرأ عليها من الدهش والاصطلام والحيرة والتيه ما يبهر العقول ويفقد الحس ويقطع عن الدنيا وما فيها وذلك لضعفه. ومن انتهى إلى هذه الحالة فتبطل النبوة في حقه أن يعرفها أو يعقل ما جاء من قبلها، إذ قد شغله عنها ما هو أعظم لديه منها، وربما كان سبب موته لعجزه عن حمل ما يطرأ عليه، كما حكي أن شابًا من سالكي طريق الآخرة عرض عليه أبو يزيد ولم يره من قبل، فلما رآه انكشف له ذلك وكان في مقام الضعفاء من المريدين فلم يطق حمله فمات به، وإما أن يكون انكشافه من عالم به على وجه الخبر عنه، فتبطل النبوة في حق المخبر حين نهى أن لا يفشي فأفشى أو أمر أن لا يتحدث فلم يفعل، فخرج بهذه المعصية عن طاعة النبي فيها، فلهذا قيل في ذلك: بطلت النبوة في حقه.
فإن قيل: فلم لا تكفروه على هذا الوجه إذا بطلت النبوة في حقه بإخباره؟.
قلنا: ما بطلت في حقه جميعًا، وإنما بطل في حقه منها ما خالف الأمر الثابت من قبلها، ويعد هذا من الكلام على تغليظ حق الإفشاء وقد سبق الكلام عليه في معنى: إفشاء سر الربوبية كفر.
وأما سر النبوة الذي أوجب العلم لمن رزقها أو رزق معرفتها على الجملة؛ إذ النبوة لا يعرفها بالحقيقة إلا نبي، فإن انكشف ذلك لقلب أحد بطل العلم في حقه بارتفاع المحنة له بالأمر المتوجه عليه بطلبه والبحث عنه والتفكر فيه، فيكون كالنبي إذا سئل عن شيء لو وقعت له واقعة لم يحتج إلى النظر فيها ولا إلى البحث عنها، بل ينتظر ما عود من كشف الحقائق بإخبار ملك أو ضرب مثل يفهم عنه أو اطلاع على اللوح المحفوظ أو إلقاء في روع فيعود مخترعاته ولم يعلم مقدار الدنيا وترتيب الآخرة عليها، ولا عرف خواصها ولا تنزه في عجائبها ولا لاحظ الملكوت ببصر قلبه، ولا جاوز التخوم إلى أسفل من ذلك بسره ولبه، ولا فهم أن الجنة أعلى النعيم وأن النار أقصى العذاب الأليم وأن النظر إليه منتهى الكرامات، وأن رضاه وسخطه غاية الدرجات والدركات، وأن منح المعارف والعلوم أسنى الهبات، ويرى أن العالم بأسره أخرجه من العدم الذي هو نفي محض، إلى الوجود الذي هو إثبات صحيح وقدره منازل وجعله الميقات، فمن حي وميت، ومتحرك