فهرس الكتاب
وساكن، وعالم وجاهل وشقي وسعيد، وقريب وبعيد، وصغير وكبير، وجليل وحقير، وغني وفقير، ومأمور وأمير، ومؤمن وكافر، وجاحد وشاكر، وذكر وأنثى، وأرض وسماء، ودنيا وأخرى، وغير ذلك مما لا يحصى، والكل قائم به موجود بقدرته، وباق بعلمه ومنته إلى أجله، ومصرف بمشيئته، وذلك على بالغ حكمته، فما أكمل جهل من لا يجد به إلا قدماه، ولا من يصرفه إلا استبداده ولا ملكه إلا ملكه، فيعود المحدث قديمًا والمربوب ربًا والمملوك مالكًا، فيعود الخلق من خلق الله كهو، تعالى الله عن جهل الجاهلين وتخييل المعتوهين وزيغ الزائغين.
وأما حكم هذه العلوم المكتوبة في الطلب وسلوك هذه المقامات ورفق هذه الدرجات واستفهام هذه المخاطبات، أهي من قبيل الواجبات والمندوبات أو المباحات؟.
فاعلم أنّ المسؤول عنه على ضربين، أحدهما: ما هو في حكم المبادىء، والثاني في حكم الغايات. فأما الذي هو في حكم المبادىء فطلبه فرض على كل أحد بقدر بذل المجهود وإفراغ الوسع وجميع ما يقدر عليه من العبادة، وذلك ما تضمنه أصول علم المعاملة، مثل إخلاص التوحيد والصدق في العمل وعدم الإجحاف بالخوف والرجاء والتزين بالصبر والشكر، لأن هذه كلها ومايتعلق بها من علم الأمر والنهي واجبة. قال الله تعالى: {فاتّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ} أما الذي هو في حكم الغايات مثل انقلاب الهيئات والنظر بالتوفيق بحكم الموافقة والرضا بالإثبات والتوكل بالتجريد وحقيقة علم معاني التوحيد وسبر معاني التقرير وأوصاف أهل أبيات اليقين، فهو درجات ومقامات ومنازل ومراتب ومنح يخص الله تعالى بها من شاء من عباده من غير أن ينال بطلب ولا بحث ولا تعليم، ولو كان ذلك لما قيل للناظر السالك حين أراد الارتقاء إلى درجة أعلى من درجته بلسان السؤال: ارجع لا تتخط رقاب الصديقين. لكنها مواهب أكرم الله تعالى بها أهل صفوته وولايته، وهي مراتب الصدق في العلم وبركات الإخلاص في العمل، فمن لم يرث من علمه وعمله المفترض عليه فطلبه والعمل به شتان من هذه المعاني، فليس في شيء من الحقيقة وإن كان حقًا، غير أن حاله معلول. إما مفتون بدنياه أو محجوب بهواه، وربك على كل شيء قدير.
وأما لأي شيء ذكرت هذه العلوم بالإشارات دون العبارات، وبالرموز دون التصريحات، وبالمتشابه من الألفاظ دون المحكمات، وإن كان قد سبق هذا من الشارع فيما له أن يمتحن به من كلف ويتلو من بعيد ولكن للعلم رجال مخصوصون، فما بال من لم يجعل شارعًا ولم يبعث لغير أن يسلك ذلك.
والجواب عنه: أن العالم هو وارث النبي، وإنما ورث العلم ليتجمل بعمله ويحل فيه كمحله والنبي لا ينطق عن الهوى {إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمهُ شَديدُ القُوىَ ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوَى} {وَمَا يَعْقِلُها إلاَّ العَالِمُونَ} انتهى الجواب عما سألت عنه وفرغنا منه بحسب الوسع من الكلام، ونسأل