وهذا هو ما ترجَّاه البيضاوي في قوله: وقيل إنها سرّ استأثر الله بعلمه ، وقد روي عن الخلفاء الأربعة ، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم ما يقرب منه ، ولعلهم أرادوا أنها أسرار بين الله ورسوله عليه الصلاة والسلام ، ورموز لم يقصد بها إفهام غيره ، إذ يبعُد الخطاب بما لا يفيد ، انتهى . أي وليس المراد أنّ المولى عزّ وجلَ انفرد بعلم ذلك كما قد يقتضيه لفظ استأثر إفادة في شرح المواهب ، وقال في المواهب: اعلم أنّ كل سورة بدء الله فيها بحروف التهجي كان أوائلها الذكر ، أو الكتاب ، أو القرآن إلاّ نون ، ثم إنّ في ذكر هذه الحروف في أوائل السور أمور تدل على أنها غير خالية عن الحكمة ، لكن علم الإنسان لا يصل إليها إلاّ أنّ كشف له سرّ ذلك ، انتهى . وقوله إلاّ نون ، أي فليس ذلك في أوائلها / صريحا ، فلا يُنافي ما قيل إنّ يسطرون معناه يكتبون القرآن وغيره 7أ فتكون ( ن ) لغيرها ، كما أفاده شارحه ، ونقل الواحدي عن بعض أرباب الحقائق أنّ هذه الأحرف جعلها الله تعالى حفظا للقرآن من الزيادة والنقصان ، وهو المشار إليه بقوله: [ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ] انتهى .
وقد ذكر العلماء لوقوع المتشابه في القرآن فوائد منها أنه يوجب مزيد المشقة في الوصول إلى المراد منه ، وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب ، ومنها أنّ القرآن لو كان كله محكما لما كان مطابقا إلاّ لمذهب واحد ، وكان بصريحه مُبطلا لكل ما سوى ذلك المذهب ، وذلك مما ينفّر أرباب سائر المذاهب عن قبوله عن النظر فيه ، والانتفاع به ، ومنها أن القرآن إذا كان مشتملا على المتشابه افتقر إلى العلم بطريق التأويلات ،وترجيح بعضها على بعض ، وافتقر في تعلّم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنحو والمعاني والبيان ، وأصول الفقه ، ولو لم يكن الأمر كذلك لم يحتج إلى تحصيل العلوم الكثيرة .