فهرس الكتاب
قال أبو يزيد في هذا الباب كنت أظنّ في برّي بأمي أني ما أقوم فيه لهوى نفسي بل لتعظيم الشريعة حيث أمرتني ببرّها فكنت أجد في نفسي لذة عظيمة كنت أتخيل أن تلك اللذة من تعظيم الحق عندي لا من موافقة نفسي فقالت لي في ليلة باردة اسقني يا أبا يزيد ماء فثقل عليّ التحرّك لذلك فقلت والله ما خفف عليّ ما كانت تكلفني فعله إلا الموافقة كان في نفسي من حيث لا أشعر فأبطل عمله وما سلم لها قال أبو يزيد فقمت بمجاهدة وجئت بالكوز إليها فوجدتها قد سارع إليها النوم ونامت فوقفت بالكوز على رأسها حتى استيقظت فناولتها الكوز وقد بقي في أذن الكوز قطعة من جلد أصبعي لشدة البرد انقرضت فتألمت الوالدة لذلك قال أبو يزيد فرجعت إلى نفسي وقلت لها حبط عملك في كونك كنت تدعين النشاط في عبادتك والاتباع إن ذلك من محتبك الله فإنه ما كلفك ولا ندبك وأوجب عليك إلا ما هو محبوب له وكل ما يأمر به المحبوب عند المحب محبوب ومما أمرك الله به يا نفسي البرّ بوالدتك والإحسان إليها والمحب يفرح ويبادر لما يحبه حبيبه ورأيتك قد تكاسلت وتثاقلت وصعب عليك أمر الوالدة حين طلبت الماء فقمت بكسل وكراهة فعلمت أنه كل ما نشطت فيه من أعمال البرّ وفعلته لا عن كسل ولا تثاقل بل عن فرح والتذاذ به إنما كان ذلك لهوى كان لك فيه لا لأجل الله إذ لو كان لله ما صعب عليك الإحسان لوالدتك وهو فعل يحبه الله منك وأمرك به وأنت تدعين حبه وإن حبه أورثك النشاط واللذة في عبادته فلم يسلم لنفسه هذا القدر وكذلك غير أبي يزيد من أهل الله كان يحافظ على الصف الأوّل دائمًا منذ سبعين سنة وهو يزعم أنه يفعل ذلك رغبة فيما رغبه الله فيه موافقة لله فاتفق له عائق عن المشي إلى الصف الأوّل فخطر له خاطر أن الجماعة التي تصلي في الصف الأول إذا لم يروه يقولون أين فلان فبكى وقال لنفسه خدعتني منذ سبعين سنة أتخيل أني لله وأنا في هواك وماذا عليك إذا فقدوك فتاب وما رؤي بعد ذلك يلزم في المسجد