فهرس الكتاب
آداب الشرب
وعن أبي قتادة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء"متفق عليه، ولأبي داود عن ابن عباس نحوه، وزاد:"وينفخ فيه"، وصححه الترمذي.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
نعم، حديث أبي قتادة في الصحيحين فيه النهي عن التنفس في الإناء، بمعنى: أن يشرب ولا يبعد الإناء من فيه، ولا يبعد الكأس من فيه، ويتنفس فيه، فهذا منهي عنه؛ لأنه يخرج الهواء من أنفه في هذا الشراب، وربما قذره، وربما خرج شيء منه فقذره، خاصة إذا كان هذا الإناء مشتركا، وظاهر النهي التحريم، وإن كان جمهور العلماء يقولون: إنه مكروه، وبعضهم حكى الاتفاق على هذا، وهذا مثل ما تقدم في حكاية نفي الخلاف أو إثبات الإجماع في مسائل مع أن النصوص جاءت النص جاء واضحا، فكيف ينظر طالب العلم حينما يأتي نص واضح ثم يرى في النهي عن شيء، ويرى في كلام بعض أهل العلم أنه قد اتفق العلماء على أن النهي للكراهة؟ أو أنه لا خلاف عندهم أنه للكراهة.
سبق لنا أنه في هذه الحالة ينبغي أن ينظر، ولا يستعجل؛ لأن النص واضح، وذكر الاتفاق في هذه المسألة هذا في الغالب يكون من باب الاتفاق الظني، أو الإجماع الظني الذي ليس يقينيا، ومثل هذا لا يقطع به في صرف النص، أو القول بأنه للاستحباب، ليس الوجوب أو للكراهة، ليس للتحريم، وأنه في هذه الحال عليه أن ينظر، ولا بد أن يكون هنالك نزاع، ولا يمكن يكون اتفاق على خلاف نص لم يأت دليل يبين تخصيصه أو تقييده أو نسخه، لا بد أن يكون هنالك قاعدة.
وقد يكون خفي على من نفى الخلاف خفي عليه ذلك، فعلى هذا إذا أشكلت عليه مسألة يجعل الإجماع بمثابة الدليل الظني مع النص بمثابة الدليل، فعنده دليلان ظنيان، فإما أن يتوقف، وإما أن يغلب عنده جانب الدليل؛ لأنه مقابل هذا الإجماع المدعى أو نفي الخلاف المدعى، فربما توقف، وربما كان نظره في هذه الحالة بالأخذ بالنص هو الأقرب؛ لأنه يقول: معي دليل واضح، وليس له مخصص، ولا ناسخ، ولا مقيد مثل ما تقدم في كلام بعض أهل العلم.
وفي هذا أيضا أنه إذا شرب لا يتنفس في الإناء، والمراد يتنفس داخل الإناء، وثبت في الصحيحين أنه -عليه الصلاة والسلام- كان يتنفس في الإناء ثلاثا، وهذا التنفس غير هذا، يتنفس ثلاثا: يعني أنه كان يشرب ثلاثا، يشرب، ثم يبين الإناء عن فيه، ثم يشرب، ثم إذا شرب ثالثا فهو في الواقع يكون النفس خارج الإناء في