فهرس الكتاب
ذكر سبع خصال، وهذا يشمل كل ... وهذا الخبر بقوله:"صدقة جارية"يشمل كل ما يوقف ويلقى بره وخيره، والعلماء يذكرون هذا الخبر في باب الوقف؛ لأنهم يقولون: إن الصدقة الجارية ... وتكاد تتفق كلماتهم أن المراد بها: ما تبقى عينها ويستمر نفعها من الصدقات الجارية"صدقة جارية"وهذا هو وجه الحجة فيه، وهو ما يوقف أصله ويحبس أصله، وتجرى منفعته، مثل أن يوقف بيتا لأبناء السبيل، أو أن يبني مسجدا، أو أن يحفر نهرا (يجري نهرا للشرب) ، يعني يكون الوقف في نفس الحفر الذي أجراه، ثم الماء يبقى، وهذا فيه حجة ودلالة على أنه لا بأس بوقف الماء، خلافا لمن قال: إن الماء لا يوقف.
والأظهر أنه لا بأس، وعلى هذا ما يفعل ممن يوقف مثلا يجعل برادة ويوقفها، فإن الوقف وإن كان على هذه البرادة التي يوقفها في المسجد، أو في طريق، والماء يتجدد - لا يملكه؛ لأن الماء ليس موجودا، فالأظهر -والله أعلم- أنه إذا ... أن الماء الذي يصل إليها وهو متواصل ولا ينقطع، الشيء المتجدد بمثابة المتصل، أو بمثابة العين التي تبقى ولا تنقطع، فعلى هذا يجري وقفه هذا المجرى، وكذلك أيضا أنواع الوقوف الأخرى مما ... يقف كتابا، يقف مثلا للمسجد، مثلا شيء يفرش ويصلى عليه، أو ملابس يقفها، أو سيارة يقفها لأبناء السبيل أو للحجاج، أو لطلاب العلم، أو يقف دابة للانتفاع بها، وأنواع الوقوف كثيرة، ثم عليه أن يراعي الأصلح والأفضل في كل وقت بحسبه"صدقة جارية، أو علم ينتفع به".
كذلك العلم الذي ينتفع به، فهذا يشمل طلابه الذين يكونون بعده، ويشمل كتبه التي صنفت، ويشمل الفوائد التي تنقل من بعده، وأنها صدقات جارية بعده، أو ولد صالح يدعو له من ذكر أو أنثى؛ لأنه يدعو له ويحيي ذكره، وهذا يبين فضل العناية بالأولاد وتربيتهم، وأنهم ذكر للعبد وذخر له بعد وفاته، وإذا كان من ليس له نصيب مما سبق من الخصلتين السابقتين، من وقف أو علم ينشر، فإنه يكون له يعتني بتربية أولاده حتى يتصل دعاؤهم له بعد وفاته.
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال:"أصاب عمر - رضي الله عنه - أرضا بخيبر، فأتى النبي - يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضا بخيبر، لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه. قال: إن شئت حبَّست أصلها وتصدقت بها"قال: حبَّست وحبَست. قال:"وتصدق بها عمر، أنه لا يباع أصلها ولا"