الصفحة 16 من 265

5-إن عمل أصحاب الغريب عمل معجمي ، غايته شرح معاني المفردات وتوضيحها بعامة، لا حصر الغريب ، يصدق ذلك قول ابن قتيبة في مقدمة غريبه: ( قد كنت زمانًا أرى أن كتاب أبي عبيد قد جمع تفسير غريب الحديث ، وأن الناظر فيه مستغن به ، ثم تعقبت ذلك بالنظر والتفتيش والمذاكرة فوجدت ما تركته نحوًا مما ذكر أو أكثر منه ، فتتبعت ما أغفل وفسرته على نحو ما فسربالإسناد لما عرفت إسناده ، والقطع لما لا عرفه ، وأشبعت ذلك بذكر الاشتقاق والمصادر والشواهد من الشعر، وكرهت أن يكون الكتاب مقصورًا على الغريب ، فأودعته من قصار أخبار العرب وأمثالها ، وأحاديث السلف وألفاظهم ما يشاكل الحديث أو يوافق لفظه لفظه ، لتكثر فائدة الكتاب ، ويمتع قارئه، ويكون عونًا على معرفته وتحفظه ) [1] .

وهذا النهج الذي ذكره ابن قتيبة هو نهج أصحاب المعاجم الذين يفسرون المادة ويذكرون اشتقاقها ومصادرها... يوضح ذلك قول ابن منظور في مادة"عرب": العُرْب والعَرَب جيل من الناس معروف ، خلاف العجم.. وتصغيره بغير هاء نادر. العُريب تصغير العرب... والعربُ العاربة: هم الخلص منهم ، وأخذ من لفظه فأكد به... والعربي منسوب إلى العرب وإن لم يكن بدويًا... والتعريب بعد الهجرة: هو أن يعود إلى البادية ويقيم مع الأعراب ، بعد أن كان مهاجرًا... والعربية: هي هذه اللغة ، واختلف الناس في العرب لِمَ سموها عربًا فقال بعضهم: أول من أنطق الله لسانه بلغة العرب يعرب بن قحطان [2] .

إنها أدلة سقناها لتكون البيان والحجة والبرهان على صحة ما نذهب إليه ، لذا نقول مجددًا إن الاسم الأدق لمؤلفات الغريب هو"شرح مفردات..."

وتبقى إشكالية أخرى عالقة ، وهي لماذا سمى أصحاب المصنفات كتبهم"بالغريب"مع أن مادة"غريب"لا تختزن في مضامينها معنى الشرح والتفسير والتوضيح ؟ ما سرُّ هذه التسمية؟ وهل أطلقت مجازًا لتحمل معنى التفسير؟

(1) غريب الحديث ـ ابن قتيبة 1/5ـ6

(2) لسان العرب ( عرب )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت