الصفحة 19 من 265

استنادًا إلى هذه الملابسة اللغوية الحاصلة من اجتماع القبائل العربية - وبخاصة بعد الإسلام- أصبحت اللفظة المتداولة في وسط عربي غريبة لدى الآخرين ، ومن هنا يبرز سبب استعمال مصطلح"غريب"في أسماء المصنفات فالغرابة نسبية ، ولهذا يمكن القول إن حد الغرابة في اللفظة يتغير بتغير القبيلة فما تصدق عليه الغرابة من الألفاظ في قوم وعصر لا تصدق عليه في قوم آخرين وبعد حين .

نخلص من التماس عذر تسمية"الغريب"لنضع توجيهين يفيدان دارس العربية، والباحث فيها:

ـ الأول لغوي وهو اتساع مادة"غريب"لتشمل معنى آخر في أحشائها سوّغها لها المؤلفون في الغريب ، وهو معنى الشرح والتوضيح اللذين يؤديهما مصطلح معجم ، وقاموس .

ـ والثاني أكاديمي يقتضي أخذ الأمور بشيء من الاحتراز عند التعامل مع مصادر العربية. فما حمل اسم الغريب ليس ضرورة أن يبحث في ألفاظ غريبة في القياس والاستعمال، غير مأنوسة ، بل هو أشبه ما يكون بقاموس لغوي ، وكذلك الالتفات إلى غيرها من المصادر والتريث في الحكم على مضمونها ، لا الانجرار في الحكم عليها حملا على اسمها، ومن أمثلة ذلك كتاب الخليل بن أحمد رحمه الله الموسوم"الجمل في النحو"فللوهلة الأولى يُظن أن مباحثه تدور حول مصطلح الجملة في العربية ، وأنواعها وأقسامها... وسواها من الأمور التي تفرضها التسمية ولكن الفحوى غير ما دل عليه العنوان ، بل هو كتاب- كما صرح به صاحبه- فيه جملة الإعراب إذ كان جميع النحو في الرفع والنصب والجروالجزم ، قال: وقد ألفنا هذا الكتاب وجمعنا فيه جمل وجوه الرفع ، والنصب ، والجر، والجزم ، وجمل الألفات ، واللامات ، والهاءات ، والتاءات ، وما يجري من اللام الفات [1] .

( 3 ) الفرق بين كتب غريب القرآن وكتب الوجوه والنظائر: ـ

(1) الجمل في النحو ـ الخليل بن أحمد ، ص 33

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت