الصفحة 191 من 367

وأما زجر الطير فإن الزاجر يستدل بما يرى من الزجر على الخير والشر من الطيرة وغيرها مما يكون من باب الفال والزجر ، فيكون له بمنزلة الوحي ، ويسمونه وحيا وكل شيء عبّر عن شيء ، ودلّ عليه / فقد كلمك، وأخبرك ، وأجابك، وأوحى 85 أ إليك ، وإن لم تكن دلالته إياك كلاما باللسان ، إنما هو وحي وإشارة من الدليل على المدلول ، واعتبار من الناظر ، واستدلال منه على حقيقة المدلول عليه ، كما يستدل بالكلام على مراد المتكلم ، فهذا ما جاء في الوحي ، وأصله كله الإلهام بهذه الأسباب ، دون التصريح بالكلام ، وسئل بعض العلماء عن الوحي ، فقال: قذف في القلوب ، وقرع في الأسماع ، وحركة كحركة السلسلة ، وروت عائشة أن الحارث ابن هشام [1] سأل رسول الله عن الوحي ، فقال له: كيف يأتيك الوحي ، فقال عليه السلام: ( أحيانا يأتينِي في مثلِ صلصَلةِ الجَرَسِ ، وهو أشدُّ عليَّ ، فينفَصِمُ عني وقد وعِيتُ ، وأحيانا يتمثلُ في الملَك ، فيكلمُني ، فأعِي ما يَقول) [2] ، وقالت عائشة: ( لقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد ، فينفَصِمُ عنه ، وإنّ جبينه ليرفَضُّ عرقا ) [3] 0

(1) الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، يكنى أبا المغيرة، وقيل أبا عبد الرحمن ، كان شريفًا مذكورًا أسلم يوم الفتح. استأمنت له أمّ هانىء بنت أبي طالب فأمنه النبي صلى الله عليه وسلم وخرج إلى الشام فقتل باليرموك سنة خمس عشرة، وقيل مات بالشام في طاعون عمواس المؤلفة قلوبهم وكان منهم. ثم إنه حسن إسلامه وخرج إلى الشام زمن عمر بن الخطاب راغبًا في الجهاد، فخرج أهل مكة يبكون لفراقه فقال: إنها النقلة إلى الله وما كنت لأوثر عليكم أحدًا فلم يزل بالشام إلى أن مات. الوافي بالوفيات ، ص 8867 / الموسوعة الشعرية

(2) النهاية في غريب الحديث ( فصم )

(3) نفسه ( فصم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت