فهرس الكتاب
وحيث أن الأمر كذلك فليرغب المرء إلى لقاء ربه كما في الحديث: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه» [1] ، ولما خُيّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الدنيا والآخرة فإنه رغب إلى لقاء ربه وقال: «بل الرفيق الأعلى» [2] ، وقد ذكر من نفسه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «إن عبدًا عُرضت عليه الدنيا وزينتها؛ فاختار الآخرة» [3] ، وهذا ليس تمني الموت المذموم، لأن المذموم فيه هو تمني الموت لضر أصابه فلم يصبر عليه، وإلا فتمني لقاء الله رغبة في الآخرة فليس من ذلك في شيء.
وإن مما تدعو له هذه الآية هو الزهد في الدنيا، فإن الرغبة إلى الله حين تقع في قلب العبد تدفعه إلى ترك الرغبة في الدنيا، وهذه الصفة هي مقام الأئمة الهداة والدين في تاريخنا، وهي حين تزول ويقع تهارش أهل العلم والدين على الدنيا فإن إمامتهم في الخلق تزول، كما تزول هيبتهم وأثر كلامهم في الخلق.
وأهل زماننا فيهم الكلام الكثير، والوعظ والتحديث والكتابة، وقد شاع العلم بين الناس وكثر المنتسبون له، لكن الزهد هو ما ينقص الناس اليوم، والناس يعرفون هذا فينا، ولذلك لا تحدث الكلمات آثارها فيهم، ولا في أنفس القائلين وهذا هو الوهن الذي قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «حب الدنيا وكراهية الموت» [4] ، فلا يغرك ما يتشدق به الكثيرون من تفسيرات وعلل مصطنعة في تفسير غياب الفاعلية، فإن العلم والكلام كثير في الناس، وإنما تنقصهم الهمم والإرادات للدار الآخرة، فالكل يعلق العلل والأسباب على غيره، فالعوام يلقونها على العلماء، والعلماء يزعمون أن الناس في إعراض عن الإجابة، والحق أن النقص هو في إرادة الموت بسبب حب الدنيا، وحين يذهب الخوف من ذهاب الدنيا، وحين يزول الرعب الكامن في القلوب من العسر بسبب الحق والصدع والعمل به، وحين تتواصل أعمال النهار من الدعوة والجهاد والعلم مع عمل الليل من العبادة والإخبات والاستغفار والدعاء حينها يتحقق زوال الغربة الثانية التي تعيشها أمتنا اليوم؛ إذ يرفع الله أئمة هذه الطائفة، ويحصل لهم النصر والغلبة، فتبدأ المسيرة وتتحقق الوعود، ويبدأ التاريخ في منعطفه الجديد.
(1) صحيح البخاري: 5/ 2386/6507، 5/ 2387/ح 6508. صحيح مسلم: 17/ 9/ح 6771، ح 6773، 17/ 10/ح 6775، ح 6777، 17/ 11/ح 6779.
(2) المسند: 7/ 389/ح 25947، 25948. السنن الكبرى للنسائي: 4/ 259/7039. صحيح ابن حبان: 6/ 164/ح 6503.
(3) المسند: 3/ 516/ح 11608. سنن الدارمي: 1/ 36/ح 78. صحيح ابن حبان: 6/ 155/ح 6479. مصنف ابن أبي شيبة: 8/ 568/ح 32826. المستدرك على الصحيحين: 4/ 314/ح 7828. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
(4) سنن أبي داوود: 4/ 404/ح 4294. دلائل النبوة للبيهقي: 6/ 534.