فهرس الكتاب
وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب: 28، 29] .
وأمر الإخلاص وإن كان سرًا بين العبد وربه إلا أن له أمارات ظاهرة في حياة صاحبه، والناس لا تخفى عليهم بواطن الناس، وأخلاق النفوس له روائح يشمها الناس ويعرفونها، وبها يميزون بين الصالح والطالح، وبين طالب دنيا ومريد للآخرة.
كما أن أعمال المرء لا تبقى في الوجود إلا إن كانت صالحة ونافعة، وشرط الصلاح والنفع هو الإخلاص كما قال تعالى: {وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد: 17] . ولذلك فمن أراد رفع الذكر، ومن أراد تحقيق النفع للناس فليراقب أعماله، وليفتش نفسه أن يقع فيها طلب الدنيا أو صرف وجوه الناس إليه.
مجيء هذه الآية بعد بيان تقلب أحوال الإنسان بين عسر ويسر، وبين فراغ ونصب يعني أن يكون كل عمل المرء من ذلك كله لله تعالى، فإن كان في العسر فهو لله، وإن كان في اليسر كذلك، لا كما وصف الله العصاة بقوله: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} [فصلت: 51] ، وكقوله: {قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا} ، فكون المؤمن لله في يسره أن يشكره، وكونه لله في العسر أن يصبر ويرجوه، وهكذا هو لله في كل حال.
ثم إن مجيء هذه الآية في ختام السورة بعد ما تقدم تذكير أن العبد مصيره إلى الله، وأن عاقبة كل ما يفع إنما هو لقاء الله تعالى كما قال يوسف عليه السلام بعد أن ذكر ما وقع له من قوله: {مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} [يوسف: 100] . ثم ما حصل له من النعيم بقوله: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} . فإنه ختم هذا التقلب بقوله: {فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} ، فإن تذكر المؤمن في تقلب الأحوال عليه، وتقلبه هو في الأعمال من ابتداء وانتهاء أنه صائر في خاتمة ذلك كله إلى الله يدعوه ذلك للإخلاص وطلب الأجر في الآخرة.