فهرس الكتاب
الإتقان والذي هو من الإيمان كما في الحديث، أما أن يضيع همه وفكره في أمور متعددة في وقت واحد فهذا مما يبعد عنه الإتقان المطلوب.
قوله تعالى: {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8) } .
هذا هو سر التعبد وأعمال المؤمن كلها، فإن المؤمن لا يعمل عملًا إلا لله، ولا يرجو به إلا الدار الآخرة، ولذلك فإن تقلب الإنسان في عسره ويسره، وفي فراغه ونصبه لا يرجو إلا ربه ولا يبتغي إلا رضاه ولا يسعى إلا لتحصيل الدار الآخرة، فهذه هي رغباته، وهي مهوى قلبه وهُجَيْرَاه [1] ، ووجود هذا الأمر في أعمال المؤمن هو ما يجعل لها صفة العبادة، ويحقق العبد بها الرضى والكمال والفوز.
وسر الإخلاص ورجاء الدار الآخرة هو ما يتميز به الناس في الأعمال، وأصحاب هذا المقام هم من يتحقق بهم الفوز والنصر كما قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83] ، والطغيان في الأرض والإفساد إنما يقعان لغياب هذا السر وهذا المعنى كما قال موسى عليه السلام: {إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27] ، فصلاح الحاكم والمحكوم، وصلاح العامل في شأن نفسه وشأن غيره لا يكون إلا بذكرى الدار الآخرة ومقصد الإخلاص.
ولقد كان من مقدمات دعوة الأنبياء لقومهم تمهيدًا لقبولهم الحق قولهم: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 180] ، وهو مقدمة قالها جميع الأنبياء كما في سورة"الشعراء"، لأن الإخلاص لله هو مدعاة القبول، وأما إن وقع في نفس المدعو أنك تريد ماله أو دنياه فلن يقبل منك الحق، بل سيبدأ بمساومتك، ولذلك كان من ذكاء ملكة سبأ أن أرسلت بهدية لسليمان عليه السلام لتعلم أهو طالب دنيا أو داعي إلى الله تعالى فقالت: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} . فكان رده عليه السلام: {أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [النمل: 36] .
وكان هذا شأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمره كله، إذ لم يتهمه خصومه بأنه طالب دنيا، ولا علم عنه ذلك - صلى الله عليه وسلم - في كل أطوار حياته، بل إن الله تعالى أمره أن يخير نساءه لقوله: يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا
(1) هُجَيْرَاه: دأبه وشأنه. دأبه