الصفحة 48 من 54

فهذه آية من أعظم شعارات المؤمن مع قلة كلماتها إلا أنها تستوعب الحياة وتغير الإنسان وتصنع الحياة، ويبلغ أهلها مقاصدهم كما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فصناعة الإرادة وتصويرها مهمة قرآنية، لأن الواجب الْمُلقى على هذه الأمة عظيم القدر، بل هو أعظم واجبات الوجود، ولا يتحقق هذا الواجب إلا برجال أفذاذ لهم هذه المقامات العلوية.

واعلم أن قول بعض التربويين وهو الأستاذ حسن البنا -رحمه الله-:"إن الواجبات أكثر من الأوقات"قول غير صحيح، والأستاذ وإن أراد به الحض على العمل الجماعي ومشاركة الآخرين إلا أن هذا القول يخالف الشرع والواقع، فإن الله -عزَّ وجلَّ- لا يكلف العبد ما لا يستطيع، وهذه من قواعد الأصول المعلومة وهي عدم التكليف بغير المقدور، ثم إنه يخالف واقع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أعظم الأمة حملًا للواجبات وأكثرهم أداءً لها، وكذلك أصحاب من بعده، والوقت ولا شك هو أغلى ما في الوجود كما قال ابن هبيرة -رحمه الله-:

والوقت أنفس ما عنيت بحفظه ... وأراه أسهل ما عليك يضيع [1]

إنما العبرة إنما هي في استغلاله وعدم تضييعه، وهو من نعم الله تعالى على الإنسان كما في الحديث: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» [2] . فوجود الفراغ بعد الواجبات أمر قدري واجب، لكن إنما يتفاضل الناس باستغلاله والاعتناء به.

ومن فقه هذه الآية أن لا ينصب المرء لعمل جديد حتى يفرغ من عمله السابق إلا أن يكون في عمله الذي هو فيه ما يتسع لهذا العمل الحادث الجديد، فالله يقول: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) } ، لأن تكاثر الأعمال في الوقت الواد قد يفسدها جميعًا، وهذا لا يعني أن لا يعمل المرء في يومه إلا عملًا واحدًا، بل المرء قد يفرغ من مهمات عمل في لحظة مع عدم إتمامه كله ثم يقوم لآخر، كما هو شأن الدروس، فإن الطالب ما أن يفرغ من درسه في لحظته حتى يدخل في آخر، مع أنه لم يفرغ من كل هذا العلم في هذا الدرس، وإنما هو عائد لإتمامه في وقت آخر، ولكن الآية تفيد أن ينصب المرء اهتمامه فيما هو بين يديه حتى يتمه ثم يفرغ لغيره، وبهذا يحصل

(1) (ذيل طبقات الحنابلة) لابن رجب الحنبلي: 3/ 211. (شذرات الذهب) لابن عماد المقدسي الحنبلي.

(2) صحيح البخاري: 5/ 2357/ح 6412.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت