الصفحة 47 من 54

منعه" [1] ، وهذا الأمر وهو الاندفاع في لحظة البأس والعسر مما يقوي نفوس الناظرين، ويرجف قلوب الأعداء، ويحقق النصر، أو يدفع الكثير من البلاء، فهذا فقه القرآن لو علم قومي بذلك، ولذلك فنعم قول الصحابي الجليل: أنس بن النضر في أحد وقد شاع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قُتل فقال:"فقوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" [2] ."

فهذه إرادات المؤمن تنبعث في كل آن، ويقوم أصحابه للحق على كل الأحوال من العسر واليسر، ولا يضرهم الحال أبدًا، إنما هم من عمل إلى عمل، أما المحتجون بالظروف والأحوال فهم شر الخليقة وأتعس الناس عن بلوغ المآرب وهم من استعاذ منهم علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- حين كان يستفزهم في الحر فيتعللون، ويستنزفهم في القُرِّ فيتعللون فقال:"لقد ملأتم قلبي همًا"وهم وُرَّاث أصحابهم ممن قالوا: {لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ} [التوبة: 81] ، وقالوا: {شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا} [الفتح: 11] .

فهذه الآية الجامعة: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) } تقضي عل كل علل الإرادات، وخاصة التسويف وتعليق الأعذار على الظروف والأحوال، فإن المرء لا يمكن أن يخلو من قوة على عمل من الأعمال، فإن عجز عن عمل لضعف قدرته وآلاته فيه فعليه أن يبحث عن غيره من الأعمال الصالحة التي يقوى عليها مما تتلاءم مع قدرته في تلك اللحظة، وليتذكر أن يسير الأعمال في حال هو من عظيم الأعمال عند الله تعالى وليتذكر حديث النبي - صلى الله عليه وسلم: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمد، سبحان الله العظيم» [3] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - عن سورة"الإخلاص": «تعدل ثلث القرآن» [4] ، فالمرء مهما فقد الآلات فلن يفقد مثل هذه الأعمال، حتى لو قُيَّد لسانه فله عبادة التفكر والاعتبار، وهي من أعظم العبادات كما قال تعالى: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191] .

(1) صحيح مسلم: 1/ 173/ح 90.

(2) دلائل النبوة للبيهقي: 3/ 245.

(3) صحيح البخاري: 5/ 2352/ح 2406 طرفه: 7563، 6/ 2459/6682. ... صحيح مسلم: 17/ 17/ح 6769.

(4) صحيح البخاري: 6/ 79/ح 1838.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت