الصفحة 46 من 54

بالعمل تحت الضغط والعسر، فحينئذ تظهر مزاياه وهمته وثقته بما معه، كما لما رأينا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة حنين، فإنه - صلى الله عليه وسلم - وقف موقفًا هو في المقياس الإنساني في القمة والذروة، حيث تراجعت الجموع، وحصل الهرج والضعف، وبدأت كتائب الأعداء تنهال عليهم كالسحاب والموج، وتحت هذا الظرف من العسر والضيق وقف ينادي على ناقته: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» [1] . وهذا النداء ليس فيه انتساب للنبوة فقط حيث هي ميزته التي اختص بها على العالمين، لكنه ذهب - صلى الله عليه وسلم - ينتسب لشرف الأصل الذي يمنعه من الانهيار حتى لو لم يكن نبيًا فقال: «أنا ابن عبد المطلب» ، بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم -.

وكذلك قصته - صلى الله عليه وسلم - في حادثة الإفك، فإنه قد وقع عليه من الهموم والضيق وانثالت عليه، ومع ذلك لم يؤثر عنه كلمة باطل، أو تصرف غير واع كما يقع على الناس في هذه اللحظات من الغضب والتعب والمعاناة.

ووُرَّاثه في هذا الأمر هم حواريوه وأعلاهم مرتبة في ذلك هو الصديق الأكبر أبو بكر -رضي الله عنه-، فإن ثباته وانتصابه للحق في حادثة الردة لا يقوى عليها إلا هو، ويحق له ذلك وهو وارث منصب الإمامة في الناس من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو موقف وقف خلفه الإسلام كله، إذ يعادل قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - في بدر: «اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض» [2] ، ولولا أبو بكر الصديق وموقفه لم يكن للإسلام قائمة، فرضي الله عنه وأرضاه وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

ولهذا فإن المرء لا ينهار في العسر إن كان من أصحاب القرآن وحملة فقهه، بل هو أشد انتصابًا للحق، وحيث يظن الظانون أن هذا زمن الانهيار فإنه يرث مقالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حنين: «الآن حمي الوطيس» [3] ، ومقالة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- في الرد:"والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على"

(1) صحيح البخاري: 3/ 1051/ح 2799، 3/ 1054/ح 2809، 3/ 1071/ ح 2863، 3/ 1107/ح 2975. صحيح مسلم: 12/ 94/ح 4570، 12/ 97/ح 4572.

(2) صحيح مسلم: 12/ 68/ح 4542.

(3) معجم الطبراني الكبير: 7/ 298/ح 7191. مسند أبي يعلى الموصلي: 18/ 271/ح 3609. مسند البزار: 4/ 128/ح 1301. وقال: وهذا الحديث قد رُوي نحو كلامه من وجوه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا نعلمه يُروى عن العباس إلا بهذا الإسناد من حديث كثير بن العباس عن أبيه برواية الزهري عن كثير ولا نعلم روى كثير بن العباس عن أبيه إلا هذا الحديث. (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) : 6/ 265/ح 10268. وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط ورجالهما رجال الصحيح غير عمران بن داور وهو أبو العوام وثقه ابن حبان وغيره وضعفه ابن معين وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت