فهرس الكتاب
قومه. وهي السمة التي وصف بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المؤمنين بقوله: «مثل المؤمن كالخامة من الزرع تفيئها الريح مرة، وتعدلها مرة، ومثل المنافق كالأرزة لا تزال حتى يكون انجعافها مرة واحدة» [1] .
فالعسر الذي يلاقيه المرء في أعمال الإيمان لا يجوز أن يقهر إرادته بعدم العود، بل هو عائد مرة بعد مرة، وهذا على الضد من النفوس البهيمية التي ترتدع بالزجر، حيث تحاول مرة فتتألم فتضعف همتها عن العود لتذكرها آلام التجربة الأولى أو التجارب الأولى، وفي هذا ليتذكر المؤمن حال الشهداء بعد الموت حين يتمنون أن يعودوا مرة أخرى ليقتلوا ويقتلوا ويقتلوا، وكذلك حال المؤمن الصالح الذي يقتله الدجال حيث يحييه الله فيقول له الدجال:"أتؤمن بي؟"فيقول الرجل الصالح:"ما ازددت فيك إلا بصيرة" [2] ، فهؤلاء الذين يقرعون وجوه الناس والشباب المؤمن من معاودة الكرّة بسبب آلام التجارب الأولى هم جاهلون بهذه الآية، بل هو العود مرة بعد مرة حتى يتحقق الوعد الإلهي، أما الجالسون على طرقات الوعظ المذموم فمن حصل لهم تجربة ما، ثم انتفخت نفوسهم أنهم أصحاب الخبرة وأن طريق الحق والدعوة إليه ومجابهة الباطل لا توصل لشيء فهؤلاء مذمومون بقوله تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) } فالمؤمن ليس بهيمة بلا إرادة كما يحاول بعض الجهلة تطبيق نظريات علم النفس التي يجرونها على الدواب لتطبق عليه، بل هو صاحب وعد، قد يخفق مرة بعد مرة ولكنه لا يكل ولا يمل حتى يتحقق وعد الله تعالى، وأما آلام الطريق، وضريبة العسر فليست في هذه الطريق مما تبعث اليأس، بل هي وقوده وغذاؤه ومطلب أهله فيه كما قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا} [آل عمران: 146] .
ومن فقه ارتباط هذه الأمرين في مقام واحد {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) } ، وقوله: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) } أن العسر واليسر أمران قدريان تجري الحياة بهما على الإنسان، ولا ينبغي لأحدهما إن وقع أن يمنع العامل من الانتصاب للأعمال، فلا حال اليسر يدعو للخمول، ولا حال العسر يمنع من الإقبال، لأن بعض الناس يسوِّف إن كان في العسر حتى يأتي اليسر، وإن كان في اليسر نسي وماتت همته، فهو مفوت للخير في الحالين، وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وأهل العلم والإيمان هو العمل في كل الظروف، بل إن المرء لا تعرف درجته ولا قيمته إلا
(1) صحيح البخاري: 5/ 2137/ح 5642.
(2) صحيح مسلم: 18/ 58/ح 7326.