فهرس الكتاب
وإن من فقه هذه الآية العظيمة ألا يترك عمل حتى يفرغ المرء منه على وجه متقن، فإن الله قال: {فَإِذَا فَرَغْتَ} . والمرء لا يفرغ من عمل حتى يفرغ العمل ويُقام على أحسن وجه، وأما ترك الأعمال قبل تمامها فهو من السفاهة وقلة العقل، فالنهايات لها معاني الكمال والمدح، كما جعل الله هذه الأمة خاتمة الأمم حيث قصّر الآخرون فكان التمام هو الجمال والأفضلية والسبق، وكما أن البدايات تحتاج إلى إرادة جازمة قوية كما سمى الله غزوة العسرة {سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} [التوبة: 117] إذ كان شأنها كله داخلًا في الساعة الأولى التي خطاها الصحابة -رضوان الله عليهم- فيها، فإن النهايات كذلك تحتاج إلى إرادة صلبة قوية، فإن النفس يعتريها التعب والملل مع طول الأمد والقيام بشأن واحد، ولذلك فإن للنهايات إرادات خاصة لا يستطيعها إلا العقلاء وأصحاب العزائم.
وكذلك من فقه هذه الآية، وقد جاءت عقب قوله: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) } . مع علمنا أن العسر الذي عاشه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مكة حيث نزلت هذه السورة ما كان يعانيه من قريش وصدها وإعراضها عن الدعوة، ثم يحصل اليسر باستجابة مهتد للحق، وهذا العسر يجده الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر حيث يقع عليهم البلاء ثم يقع الفرج واليسر، وكان بعض أصحاب الهمم والإرادات الضعيفة يخافون من العود إلى ما كانوا عليه من الحق، حيث يقع العسر عليهم موقعًا مؤلمًا، فما أن يأتي اليسر حتى يتنفسوا الصعداء ويعقدوا الإرادة على عدم العود لما وقع عليهم من آلام العسر، وهؤلاء لم يهتدوا بهذه الآية، فإن من هداية هذه الآية أن يعودوا لنصب أنفسهم في ميدان الحق وسبله مرة أخرى حتى جاء العسر مرة أخرى، فإن اليسر آت، وهذا هو ما تدعو إليه هذه الآية: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) } ، فهي دعوة وقيام بالحق وآلام يعقبها فرح، وعسر يعقبه يسر، وشدة يعقبها فرج، وبذلك يتحقق الوعد الإلهي لهؤلاء القائمين مرة بعد مرة في قوله: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) } ، فالمهتدي ينشط للحق حتى لو كان فيه العسر، لأنه موعود باليسر بعده ولا شك، وهذا ما فعله الغلام حين عاد للملك مرة بعد مرة وهو يحاول قتله [1] ، وهي سمة النبي - صلى الله عليه وسلم - وحياته بين
(1) لقد قام الشيخ حفظه الله تعالى وزاده علمًا وعملًا ونصرًا وعلوًا بشرح الحديث مفيدًا وممتعًا في رسالة مستقلة عنون لها بـ (درك الهدى في اتباع الفتى) وهي منشورة على منبر التوحيد والجهاد، فارجع إليها لنفاستها.