الصفحة 43 من 54

ولقد كان هذا هو شأن وُرَّاث هذا الدين من العلماء والدعاة والعُباد، لا تجد في حياتهم البطالة ولا الكسل ولا اللهو واللغو، بل هي إرادات تتواصل علمًا وعملًا، وإنك لتعجب كيف تحقق لهم هذا الإنجاز في أزمانهم القصيرة وأدواتهم القليلة، فرحمهم الله ورضي الله عنهم.

فهذا الإمام الشافعي رحمه الله وهو الذي عاش فقط خمسًا وخمسين سنة ثم هو الإمام في الفقه والحديث واللغة والشعر، وهو الذي يطوف من الشام إلى الحجاز وإلى اليمن وإلى العراق مرتين ثم يكون مرقده إلى رحمة الله تعالى في مصر.

وهذا الإمام النووي عاش فقط خمسًا وأربعين سنة ثم هو يورث هذا العلم وهذه المصنفات مع عبادة وقيام وصيام، كما كان له شغل طويل في التعليم حتى كان له في كل يوم اثني عشر درسًا على مشايخه.

وهذا الأمر وهو الهمة العالية والإرادة القوية والحرص على الأوقات ومتابعة الخير في كل آن هي سمة العلماء في تاريخنا، وقصصهم في هذا تكاد تصل الأعاجيب حتى وهم على فِراش الموت أو المرض كما ذُكر عن أبي يوسف القاضي [1] رحمه الله أنه باحث تلميذه إبراهيم بن الجراح في مسألة في الحج وهو على فراش الموت، كما ذكر عن ابن مالك النحوي صاحب"الألفية"أنه حفظ يوم موته أبياتًا من الشعر قيل ثمانية.

وقد كانوا في سفرهم ومشيهم وأكلهم يحرصون على بعث هذه الإرادة واستغلال الأوقات، وهو أمر مشهور عنهم رحمهم الله تعالى.

وهذا الذي وقع منهم إنما هو من فقه القرآن الذي جعل لهم همّ الإقامة في الأعمال دومًا، حتى في راحتهم لا تخلو إرادتهم من منفعة واكتساب، ولذلك كان الإمام البخاري يقول:"لا فعل إلا بقصد"؛ أي بنية عمل صالح، وهكذا كان شأنهم في الحياة لا يعرفون البطالة والكسل، وبهذا تحقق بناء على الحياة على أساس الإيمان، وحصل ميراث العلم والعمل الصالح، وكل ذلك في إطار إنساني، حيث يكون الإخفاق والنجاح، والاهتمام بالحاجات والتحسينات، وفيها القبض والبسط، والألم والفرح، فكانوا بحق خير أمة أُخرجت للناس.

(1) اسمه يعقوب بن إبراهيم بن إبراهيم ابن سعد الأنصاري الكوفي من بجيلة، صاحب أبي حنيفية -رحمهما الله تعالى-، توفى سنة اثنتين وثمانين ومائة عن تسع وستين سنة في خلافة هارون. انظر ترجمته في: (الطبقات الكبرى) لابن سعد، و (طبقات الحفاظ) للسيوطي: 1/ 127.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت