الصفحة 42 من 54

عبادة تناسب الحال السابق إلا ويدخل في عبادة تناسب الحال اللاحق، ذلك لأن أمره كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162] .

وهذا الحال من العبادة المتصلة له فضيلتان؛ إحداهما: في كون الفاعل لا يخلو من أمر ينفعه، والقائم بهذه الصفة هم الرجال الأفذاذ وأصحاب الفرادة في الوجود، وهؤلاء من يصلون إلى مقاصدهم ويحققوا الآثار في الوجود، والأخرى: هي ما إذا كان الفعل طاعة وعبادة فإنه يجتمع فيه صفة الرشد الإنساني والهداية الدينية، وهذا هو الكمال المنشود، فالإرادة النشطة العاملة هي من طلبها الشارع بقوله - صلى الله عليه وسلم: «واستعن بالله ولا تعجز» [1] . وكون جعل هذه الإرادة في سبيل الله هي المقصودة بقوله عقب هذه الآية: {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8) } .

ومن تفكر في حياة الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ورأى مقدار الإنجاز الذي حققه في الحياة يعلم أي إرادة كانت عنده، فهو الذي حقق أكبر تحول إنساني في تاريخ البشرية جمعاء، وذلك من خلال صناعته لأصحابه علمًا وسلوكًا، وهو مع ذلك مقيم على شأن نفسه من الطاعة والعبادة، فهو الصائم القائم بشأن بيته، وهو المهاجر والمجاهد سفرًا في غزوات متعددة كثيرة، وكل ذلك في ثلاث وعشرين سنة من عمره المبارك الشريف، فهي إرادة عظيمة حققت هذه الشريعة خير تحقيق {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) } . فلم يكن في حياته إلا الحق في كل شأنه، وهذا مما ورثه الحواريون عنه -رضي الله عنهم وأرضاهم-، فإن ما تحقق بهم من إنجاز في الحياة، وما حققوه لأنفسهم من العلم والعمل يدل على هذا المراد وقد بلغوا في هذا الدين إلى أقصى الأرض شرقًا وغربًا بأدوات زمانهم، ولو حاولت تعقب واحد منهم ومسار حركته في الأرض لعجبت أن يكون هذا في زمن الجمل والخيل لا في زمن السيارات والطائرات، وهم مع ذلك في تعليم وعبادة وقيام بشأن الحياة فلهم الأزواج والأولاد والتجارات، فهذا ما تصنعه الإرادة المصنوعة بهذه الآية العظيمة {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) } .

(1) صحيح مسلم: 16/ 184/ح 6725.

لقد شرح الشيخ -حفظه الله تعالى من كل مكروه- هذا الحديث الشريف في رسالة مستقلة سماها: (أقدم حيزوم"هدية أهل الإيمان في أن «لو» تفتح عمل الشيطان) . فارجع إليها. تجدها على منبر التوحيد والجهاد."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت