فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 219

ويحك!! إنه لا يُسْتَشفعُ بالله على أحد من خلقه .. شأنُ الله أعظم من ذلك ..

ويحك!! أتدري ما الله؟! إن عرشه على سماواته لهكذا .. وقال بأصابعه مثل القبة عليه .. وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب .. [1] ..

ولكن إذا وقع الخطأ من الشخص لوحده قد يكون هناك شيء من اللين ..

أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت عائشة - رضي الله عنه - في ليلتها ..

فوضع نعليه من رجليه .. ووضع رداءه .. واضطجع على فراشه ..

فلبث كذلك .. حتى ظن أن عائشة قد رقدت ..

فقام من على فراشه .. ولبس رداءه ونعليه .. رويدًا ..

ثم فتح الباب رويدًا .. وخرج .. وأغلقه رويدًا ..

فلما رأت عائشة ذلك .. دخلتها غَيْرةُ النساء .. وخشيت أنه ذهب إلى بعض نسائه ..

فقامت .. ولبست درعها .. وخمارها .. وانطلقت في إثره .. تمشي وراءه .. دون أن يشعر بها ..

فانطلق - صلى الله عليه وسلم - .. يمشي في ظلمة الليل .. حتى جاء مقبرة البقيع ..

فوقف عندها .. ينظر إلى قبور أصحابه .. الذين عاشوا عابدين .. وماتوا مجاهدين .. واجتمعوا تحت الثرى .. ليرضى عنهم من يعلم السرَّ وأخفى ..

أخذ - صلى الله عليه وسلم - ينظر إلى قبورهم .. ويتذكر أحوالهم ..

ثم رفع يديه فدعا لهم .. ثم أخذ ينظر إلى القبور .. ثم رفع يديه ثانية فدعا لهم ..

ثم لبث مليًا .. ثم رفعها فاستغفر لهم ..

وأطال القيام .. وعائشة تنظر إليه من بعيد ..

ثم التفت - صلى الله عليه وسلم - وراءه راجعًا ..

فلما رأت ذلك عائشة .. انحرفت إلى ورائها راجعة .. خشية أن يشعر بها ..

فأسرع - صلى الله عليه وسلم - مشيه .. فأسرعت عائشة ..

فهرول .. فهرولتْ .. فأحضرَ - أي جرى مسرعًا - فأحضرتْ وجرت ..

حتى سبقته إلى البيت فدخلت ..

ونزعت درعها وخمارها .. وأقبلت إلى فراشها فاضطجعت عليه .. كهيئة النائمة .. ونفَسها يتردد في صدرها ..

فدخل - صلى الله عليه وسلم - البيت .. فسمع صوت نَفَسها .. فقال:

مالك يا عائش .. حشيًا رابية ..

قالت: لا شيء ..

قال: لتخبرني .. أو ليخبرني اللطيف الخبير ..

فأخبرته بالخبر .. وأنها غارت عليه .. فانطلقت تنظر أين يذهب ..

فقال - صلى الله عليه وسلم: أنت الذي رأيتُ أمامي؟

قالت: نعم ..

فدفعها في صدرها .. دفعة .. ثم قال:

أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله ..

فقالت عائشة: مهما يكتمِ الناسُ .. يعلمه الله عز وجل .. ؟

قال: نعم .. ثم قال - صلى الله عليه وسلم - مبينًا لها خبر خروجه:

إن جبريل عليه السلام .. أتاني حين رأيت .. ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك ..

فناداني .. فأخفى منك فأجبته وأخفيته منك .. وظننت أنك قد رقدت .. فكرهت أن أوقظك .. وخشيت أن تستوحشي .. فأمرني أن آتي أهل البقيع فأستغفرَ لهم .. [2] ..

(1) رواه أبو داود

(2) رواه النسائي بسند جيد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت