قال الرجل: يا رسول الله .. أشكو إليك الفاقة والفقر ..
ما يكاد هذا الرجل يجد طعامًا يسد به جوعة أولاده .. ومن حوله من المسلمين يعيشون على الكفاف ليس عندهم ما يساعدونه به ..
قال الرجل هذه الكلمات وعدي يسمع .. فأجابه النبي - صلى الله عليه وسلم - بكلمات ومضى ..
فلما مشيا خطوات .. أقبل رجل آخر .. قال: يا رسول الله أشكو إليك قطع الطريق!!
يعني أننا يا رسول الله لكثرة أعدائنا حولنا لا نأمن أن نخرج عن بنيان المدينة لكثرة من يعترضنا من كفار أو لصوص ..
أجابه النبي - صلى الله عليه وسلم - بكلمات ومضى ..
جعل عدي يقلب الأمر في نفسه .. هو في عز وشرف في قومه .. وليس له أعداء يتربصون به ..
فلماذا يدخل هذا الدين الذي أهله في ضعف ومسكنة .. وفقر وحاجة ..
وصلا إلى بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - .. فدخلا .. فإذا وسادة واحدة فدفعها النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى عدي إكرامًا له .. وقال: خذ هذه فاجلس عليها .. فدفعها عدي إليه قال: بل اجلس عليها أنت .. فقال - صلى الله عليه وسلم: بل أنت .. حتى استقرت عند عدي فجلس عليها ..
عندها .. بدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - يحطم الحواجز بين عدي والإسلام ..
يا عدي أسلم .. تسلم .. أسلم تسلم .. أسلم تسلم ..
قال عدي: إني على دين ..
فقال - صلى الله عليه وسلم: أنا أعلم بدينك منك ..
قال: أنت تعلم بديني مني؟
قال: نعم .. ألست من الركوسية ..
والركوسية ديانة نصرانية مشرّبة بشيء من المجوسية .. فمن مهارته - صلى الله عليه وسلم - في الإقناع أنه لم يقل ألست نصرانيًا .. وإنما تجاوز هذه المعلومة إلى معلومة أدق منها فأخبره بمذهبه في النصرانية تحديدًا ..
كما لو لقيك شخص في أحد بلاد أوروبا وقال لك: لماذا لا تتنصر؟ فقلت: إني على دين ..
فلم يقل لك: ألست مسلمًا .. ولم يقل: ألست سنُيًّا .. وإنما قال: ألست شافعيًا .. أو حنبليًا ..
عندها ستدرك أنه يعرف كل شيء عن دينك ..
فهذا الذي فعله المعلم الأول - صلى الله عليه وسلم - مع عدي .. قال: ألست من الركوسية ..
فقال عدي: بلى ..
فقال - صلى الله عليه وسلم: فإنك إذا غزوت مع قومك تأكل فيهم المرباع؟ [1]
قال: بلى ..
فقال - صلى الله عليه وسلم: فإن هذا لا يحل لك في دينك ..
فتضعضع لها عدي .. وقال: نعم ..
فقال - صلى الله عليه وسلم: أما إني أعلم الذي يمنعك من الإسلام ..
أنك تقول: إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة لهم ..
وقد رمتهم العرب ..
يا عدي .. أتعرف الحيرة؟ [2]
قلت: لم أرها وقد سمعت بها ..
قال: فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد ..
أي سيقوى الإسلام إلى درجة أن المرأة المسلمة الحاجة تخرج من الحيرة حتى تصل إلى مكة ليس معها إلا محرم .. من غير أحد يحميها .. وتمر على مئات القبائل فلا يجرؤ أحد أن يعتدي عليها أو يسلبها مالها .. لأن المسلمين صار لهم قوة وهيبة .. إلى درجة أن
(1) المرباع: إذا غزت القبيلة قسم رئيسها الغنيمة أربعة أقسام فأخذ الربع له وحده، وهذا حرام في دين النصرانية، جائز عند العرب.
(2) الحيرة: مدينة بالعراق