وإظهار قوة المسلمين لهم ..
أسر المسلمون بعض قوم عدي .. وكان من بينهم أخت لعدي بن حاتم ..
مضوا بالأسرى إلى المدينة .. حيث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. وأخبروا النبي - صلى الله عليه وسلم - بفرار عدي إلى الشام ..
فعجب - صلى الله عليه وسلم - من فراره!! كيف يفر من الدين؟ كيف يترك قومه؟
ولكن لم يكن إلى الوصول إلى عدي سبيل ..
لم يطب المقام لعدي في ديار الروم .. فاضطر للرجوع لديار العرب .. ثم لم يجد بدًا من أن يذهب إلى المدينة للقاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ومصالحته .. أو التفاهم على شيء يرضيهما .. [1] ..
يقول عدي وهو يحكي قصة ذهابه إلى المدينة:
ما رجل من العرب كان أشد كراهة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مني ..
وكنت على دين النصرانية ..
وكنت ملكًا في قومي لما كان يصنع بي.
فلما سمعت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - كرهته كراهية شديدة ..
فخرجت حتى قدمت الروم على قيصر ..
قال: فكرهت مكاني ذلك ..
فقلت: والله لو أتيت هذا الرجل .. فإن كان كاذبًا لم يضرني .. وإن كان صادقًا علمت ..
فقدمت فأتيته .. فلما دخلت المدينة جعل الناس يقولون: هذا عدي بن حاتم .. هذا عدي بن حاتم ..
فمشيت حتى أتيت فدخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد فقال لي: عدي بن حاتم؟
قلت: عدي بن حاتم ..
فرح النبي - صلى الله عليه وسلم - بمقدمه .. واحتفى به .. مع أن عديًا محارب للمسلمين وفارٌ من الحرب .. ومبغض للإسلام .. ولاجئٌ إلى النصارى .. ومع ذلك لقيه - صلى الله عليه وسلم - بالبشاشة والبشر .. وأخذ بيده يسوقه معه إلى بيته ..
عدي وهو يمشي بجانب النبي - صلى الله عليه وسلم - يرى أن الرأسين متساويان .. !!
فمحمد (- صلى الله عليه وسلم -) ملك على المدينة وما حولها .. وعدي ملك على جبال طي وما حولها ..
ومحمد (- صلى الله عليه وسلم -) على دين سماوي"الإسلام".. وعدي على دين سماوي"النصرانية"..
ومحمد (- صلى الله عليه وسلم -) عنده كتاب منزل"القرآن".. وعدي عنده كتاب منزل"الإنجيل"..
كان عدي يشعر أنه لا فرق بينهما إلا في القوة والجيش ..
في أثناء الطريق وقعت ثلاثة مواقف:
بينما هما يمشيان إذا بامرأة قد وقفت في وسط الطريق فجعلت تصيح: يا رسول الله .. لي إليك حاجة ..
فانتزع النبي - صلى الله عليه وسلم - يده من يد عدي ومضى إليها .. وجعل يستمع إلى حاجتها ..
عدي بن حاتم .. الذي قد عرف الملوك والوزراء جعل ينظر إلى هذا المشهد .. ويقارن تعامل النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الناس بتعامل من رآهم من قبل من الرؤساء والسادة ..
فتأمل طويلًا ثم قال: والله ما هذه بأخلاق الملوك .. هذه أخلاق الأنبيااااااء ..
وانتهت المرأة من حاجتها .. فعاد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى عدي .. ومضيا يمشيان .. فبينما هما كذلك .. فإذا برجل يقبل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ..
فماذا قال الرجل؟ هل قال: يا رسول الله عندي أموال زائدة أبحث لها عن فقير؟! أم قال: حصدت أرضي وزاد عندي الثمر .. فماذا أفعل به؟
يا ليته قال شيئًا من ذلك .. لعل عديًا إذا سمعه يشعر بغنى المسلمين وكثرة أموالهم ..
(1) وقيل إن أخته هي التي ذهبت إليه في الشام وردته إلى العرب.