فهرس الكتاب
طوافه ..
فمر بهم الثالثة .. فغمزوه بمثلها ..
فرأى أن الرفق لا يصلح مع أمثال هؤلاء .. فوقف عليهم وقال:
أتسمعون يا معشر قريش!! أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح .. ووقف أمامهم ..
فلما سمع القوم هذا التهديد .. الذبح .. وهو الصادق الأمين ..
انتفضوا .. حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر وقع .. حتى أن أشدهم عليه ليتلطف معه .. وصاروا يقولون: انصرف أبا القاسم راشدا .. فما كنت جهولًا ..
فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنهم ..
نعم ..
إذا قيل: حلم، قل: فللحلم موضع **
وحلم الفتى في غير موضعه جهل
وإن كان المتتبع لسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - يجد أنه كان يغلب الرفق دائمًا ..
انتبه!! ليس الضعف والجبن .. وإنما الرفق ..
ومن مواقف الرفق:
أنه بعد وقعة بدر بشهر .. أراد أبو العاص زوج زينب بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرسلها إلى المدينة عند أبيها ..
فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيد بن حارثة .. ورجلًا من الأنصار ..
فقال: كونا ببطن يأجح حتى تمر بكما زينب فتصحباها فتأتياني بها ..
فخرجا مكانهما ..
فأمرها أبو العاص بالتجهز .. فبدأت في جمع متاعها ..
فبينا هي تتجهز .. لقيتها هند بنت عتبة .. زوجة أبي سفيان ..
فقالت: يا ابنة محمد .. ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك؟
قالت: ما أردت ذلك ..
فقالت: أي ابنة عم .. أن أردت أن تفعلي ..
فإن كان لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك .. أو بمال تتبلغين به إلى أبيك ..
فإن عندي حاجتك فلا تضطني مني .. أي لا تخجلي ..
فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال ..
قالت زينب: والله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل .. ولكني خفتها فأنكرت أن أكون أريد ذلك ..
فلما أتمت جهازها .. قدّم إليها أخو زوجها كنانة بن الربيع بعيرًا ..
فركبته و أخذ قوسه و كنانته ..
ثم خرج بها نهارًا يقود بها و هي في هودج لها ..
فرآها الناس .. و تحدث بذلك رجال من قريش .. كيف تخرج إليه ابنته وقد فعل بنا ما فعل في بدر ..
فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى ..
وكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود .. فروعها بالرمح و هي في الهودج ..
فقيل: إنها كانت حاملًا ففزعت .. وطرحت ولدها ..
وأقبل الكفار يتسابقون إليها .. وعهم السلاح ..
وهي ليس معها إلا أخو زوجها كنانة ..
فلما رأى ذلك ..
وبرك على الأرض .. ثم نثر كنانته وصف رماحه بين يديه .. ثم قال:
و الله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما .. وكان راميًا .. فتكركر الناس عنه وتراجعوا ..
وأخذوا ينظرون إليه من بعيد .. لا هو يقدر على الذهاب .. ولا هم يجترئون على الاقتراب منه ..