فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 219

فاستبشر علي ويمم جهة قصر الخلافة ..

دخل على المتوكل .. فرأى الشعراء ينشدون ويربحون ..

والمتوكل هو المتوكل .. سطوة وهيبة وجبروت ..

فانطلق مادحًا الخليفة بقصيدة مطلعها:

يا أيها الخليفة ..

أنت كالكلب في حفاظك للود .. وكالتيس في قراع الخطوب

أنت كالدلو لا عدمتك دلوًا .. من كبار الدلا كثير الذنوب

ومضى يضرب للخليفة الأمثلة بالتيس والعنز والبئر والتراب ..

فثار الخليفة .. وانتفض الحراس .. واستل السياف سيفه .. وفرش النطع .. وتجهز للقتل ..

فأدرك الخليفة أن علي بن الجهم قد غلبت عليه طبيعته .. فأراد أن يغيرها ..

فأمر به فأسكنوه في قصر منيف .. تغدو عليه أجمل الجواري وتروح يما يلذ ويطيب ..

ذاق علي بن الجهم النعمة .. واتكأ على الأرائك .. وجالس أرق الشعراء .. وأغزل الأدباء ..

ومكث على هذا الحال سبعة أشهر ..

ثم جلس الخليفة مجلس سمر ليلة .. فتذكر علي بن الجهم .. فسأل عنه، فدعوه له .. فلما مثل بين يديه .. قال: أنشدني يا علي بن الجهم ..

فانطلق منشدًا قصيدة مطلعها:

عيون المها بين الرصافة والجسر .. جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

أعدن لي الشوق القديم ولم أكن .. سلوت ولكن زدن جمرًا على جمر

ومضى يحرك المشاعر بأرق الكلمات .. ثم شرع يصف الخليفة بالشمس والنجم والسيف ..

فانظر كيف استطاع الخليفة أن يغير طباع ابن الجهم ..

ونحن كم ضايقتنا طباع لأولادنا أو أصدقائنا فسعينا لتغييرها .. فغيرناها ..

فمن باب أولى أن تقدر أنت على تغيير طباعك .. فتقلب العبوس تبسمًا .. والغضب حلمًا .. والبخل كرمًا .. وهذا ليس صعبًا .. لكنه يحتاج إلى عزيمة ومراس .. فكن بطلًا ..

ومن نظر في سيرة محمد - صلى الله عليه وسلم - وجد أنه كان يتعامل مع الناس بقدرات أخلاقية، ملك بها قلوبهم ..

ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - يتصنع هذه الأخلاق أمام الناس .. فإذا خلا بأهل بيته .. انقلب حلمه غضبًا .. ولينه غلظًا ..

لا .. ما كان بسامًا مع الناس عبوسًا مع أهل بيته ..

ولا كريمًا مع الخلق إلا مع ولده وزوجه ..

لا .. بل كانت أخلاقه سجية .. يتعبد لله تعالى بها .. كما يتعبد بصلاة الضحى وقيام الليل ..

يحتسب ابتسامته قربة .. ورفقَه عبادة .. وعفوَه ولينَه حسنات ..

إن من اعتبر حسن الخلق عبادة .. تحلى بها في جميع أحواله .. في سلمه وحربه .. وجوعه وشبعه .. وصحته ومرضه .. بل وفرحه وحزنه ..

نعم .. كم من الزوجات تسمع عن أخلاق زوجها .. وسعة صدره .. وابتسامته وكرمه ..

ولكنها لم تر من ذلك شيئًا ..

فهو في بيته سيئَ الخلق .. ضيقَ الصدر .. عابسَ الوجه .. صخابًا لعانًا .. بخيلًا ومنانًا ..

أما هو - صلى الله عليه وسلم - فهو الذي قال: (خيركم خيرُكم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) [1] ..

(1) رواه ابن ماجة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت