فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 219

رؤية ..

من عاش لغيره فسيعيش متعبًا .. لكنه سيحيا كبيرًا .. ويموت كبيرًا ..

62.لا تتكلف ما لا تطيق!!

كان صاحبي من خيار الناس .. خلقًا .. ودينًا .. وعقلًا ..

كان إمام مسجد بجانب بيته ..

لكني كنت أسمع ذمه على ألسنة أناس كثيرين ..

كنت أتعجب من ذلك .. ولا أجد له جوابًا ..

حتى جاءني يومًا جاره .. قال: يا شيخ .. صاحبك .. لا يصلي بنا .. ولا معنا!!

قلت: لم؟!!

قال: لا أدري .. لكنه هو الإمام .. ومع ذلك يغيب كثييييرًا عن المسجد ..

فجعلت ألتمس له الأعذار .. فقلت: لعله مشغول بأمر ضروري .. لعله غير موجود بالبيت ..

قال: يا شييييخ .. سيارته واقفة عند الباب .. وأنا متأكد أنه في بيته ..

جعلت أتقصى السبب لنصح صاحبي ..

حتى وجدت السبب ..

الرجل بحكم إمامته للمسجد ..

يأتي إليه الناس ويلتمسون منه الإعانة في حاجاتهم ..

هذا عليه دين يريد أن يبحث له عمن يسدده ..

وهذا متخرج من الثانوية ويريد شفاعة لدخول الجامعة ..

وهذا مريض يريد إعانته على دخول المستشفى الفلاني ..

وهذا عنده بنات كبار ويريد لهن أزواج ..

وهذا عليه أيجار لبيته لم يسدده ..

وهذا أعطاه ورقة استفتاء في طلاق ليذهب بها للمفتي العام ..

وهذا ..

وهو رجل عادي ليس له قدرات كبيرة ولا علاقات الواسعة .. ولا وجاهة متميّزة ..

وكان المسكين يغلبه الحياء والخجل من كل أحد .. فلا يقدر أن يعتذر من أحد أبدًا ..

بل يأخذ معروض هذا ويعده بسداد دينه ..

ويكتب رقم هاتف الثاني .. ويعده أن يقبل في الجامعة ..

ويقول للثالث: تعال بعد يومين وتجد ورقة دخول المستشفى جاهزة ..

وهكذا دواليك ..

فيأتونه على الموعد .. ويعتذر .. ويعطيهم مواعيد أخرى ..

حتى صار يتهرب منهم .. ولا يرد على هاتفه .. بل وأحيانًا لا يخرج من بيته .. !!

وصار من يلقاه منهم .. إن وجده .. يسبه ويصرخ به .. ويردد: طيب لماذا تعدني .. لماذا تجعلني أبني الآمال عليك ..

والثاني يقول: لم أكلم إلا أنت .. وتركت غيرك لما وعدتني ..

لما عرفت حاله .. أيقنت أنه حفر لنفسه حفرة .. ثم تردى فيها ..

سمعته مرة يعتذر من أحدهم .. ويقول:

آسف .. لم أستطع أن أفعل شيئًا في موضوعك ..

وذاك يقول بكل قوة: طيب أنت ضيعت الوقت عليَّ .. ليتك أخبرتني من قبل ..

تذكرت عندها قول الحكيم: الاعتذار في البداية خير من الاعتذار في النهاية ..

ما أجمل أن يعرف المرء قدراته .. ويتحرك في حدود الدائرة المرسومة حوله ..

ولقد جربت ذلك بنفسي ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت