فهرس الكتاب
أذكر أني ألقيت محاضرة في أحد المجمعات العسكرية بالرياض ..
وبعدها جاءني أحدهم وقال: يا شيخ أريدك في موضوع ضروري جدًا ..
قلت: تفضل .. ما هو؟
قال: لا .. ما يصلح أن أذكره الآن .. لا بدّ أن أقابلك في وقت واسع ..
جعل يُعَظّم حجم الموضوع وأنا أستمع له بلطف .. لكني قد علمتني الحياة أن أكثر الناس يعطون الأمور أكبر من حجمها .. وصاحب الحاجة مجنون بها حتى تقضى ..
قال لي: أظن لك محاضرة غدًا في مدينة كذا .. وهي مدينة على بعد 200كم من الرياض ..
قلت: صحيح ..
قال: سآتي إليك هناك .. وأقابلك بعد المحاضرة ..
تعجبت من حرصه ..
وفعلًا .. خرجت بعد المحاضرة فخرج الرجل وراءي مسعًا حافي القدمين .. يحمل ورقة صغيرة في يده ..
وقفت معه جانبًا .. قلت: تفضل .. شكر الله حرصك .. ما حاجتك؟
قال: يا شيخ .. عندي أخ يحمل الشهادة الابتدائية .. وأريدك أن تدبر له وظيفة ..
قلت: بس؟!!
قال: بس؟!!
كان الرجل متحمسًا .. ومنظره يثير الشفقة .. ويبدو أن أخاه يمر بظروف صعبة فعلًا ..
أيقنت أني لو وعدته سأخلف .. فنحن في زمن لا يكاد حامل البكالوريوس أن يجد وظيفة .. فضلًا عن حامل الابتدائية .. وأنا أعرف حدود قدراتي ..
قلت: يا أخي .. والله أتمنى أن أساعدك .. وأخوك أخي .. وأنا أتألم له كما تتألم ..
لكني لا أستطيع مساعدتك أبدًا .. أتمنى أن تتكرم عليَّ وتعفيني ..
قال: يا شيخ .. حاول ..
قلت: لاااا أقدر ..
فناولني الورقة التي في يده .. وقال: طيب .. يا شيخ خذ هذه الورقة فيها أرقام هواتفنا .. إذا وجدت له وظيفة فاتصل بنا ..
أدركت أنه يريد أن يربطني بحبل أمل .. وسيظل ينتظر الاتصال ..
فقلت: بل دع الورقة معك .. وخذ رقمي أنت .. وإن وجدت له وظيفة فاتصل بي .. لعلي أن أكتب لك شفاعة للمسئول فيها ..
سكت الرجل قليلًا .. انتظرت أن يودعني ..
لكني تفاجأت أنه قال لي: بيض الله وجهك .. والله يا شيخ .. سبق أن كلمت الأمير فلان في موضوع أخي منذ سنة .. فأخذ الورقة .. ولم يتصل بي إلى الآن ..
ومرة كلمت اللواء فلان .. فأخذ الورقة أيضًا .. ولم يتصل ولم يهتم .. هؤلاء أناس ما يهتمون بالضعفاء .. الله ينتقم منهم .. الله .. وبدأ يدعو عليهم ..
فقلت في نفسي .. الحمد لله .. لو أخذت الورقة لصرت ثالثهم ..
نعم .. الاعتذار في البداية خير من إخلاف الوعد ..
ما أجمل أن نكون صرحاء مع الآخرين .. عارفين لحدود قدراتنا ..
أحيانًا عند خروجك من البيت .. تصرخ بك زوجتك ..
أحضر معك حليبًا .. وسكرًا .. وحفائظ .. وعشاء ..
فانتبه .. لا تردد: طيب .. طيب .. وإنما اصرخ بها