فهرس الكتاب
أقبل عامر بن الطفيل .. وكان قومه يقولون له لما رأوا انتشار الإسلام: يا عامر إن الناس قد أسلموا فأسلم .. وكان متكبرًا كتغطرسًا ..
فكان يقول لهم: والله لقد كنت أقسمت ألا أموت حتى تملِّكني العرب عليهم وتتبعَ عقبي .. فأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش!!
ثم لما رأى تمكن الإسلام .. وانصياع الناس لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. ركب ناقته مع بعض أصحابه ومضى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ..
دخل المسجد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بين أصحابه الكرام ..
فلما وقف بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام قال: يا محمد خالني .. أي قف معي على انفراد ..
وكان - صلى الله عليه وسلم - حذرًا من أمثال هؤلاء .. فقال: لا والله حتى تؤمن بالله وحده ..
فقال: يا محمد خالني ..
فأبى النبي - صلى الله عليه وسلم - .. فلا زال يكرر .. يا محمد قم معي أكلمْك .. يا محمد قم معي أكلمْك ..
حتى قام معه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. فاجتر عامر إليه أحد أصحابه اسمه إربد .. وقال: إني سأشغل عنك وجهه فإذا فعلت ذلك فاضربه بالسيف .. فجعل إربد يده على سيفه واستعد ..
فانفرد الاثنان إلى الجدار .. ووقف معهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكلم عامرًا .. وقبض أربد بيده على السيف .. فكلما أراد أن يسله يبست يده .. فلم يستطع سل السيف ..
وجعل عامر يشاغل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. وينظر إلى إربد .. وإربد جامد لا يتحرك ..
فالتفت - صلى الله عليه وسلم - فرأى أربد وما يصنع ..
فقال: يا عامر بن الطفيل .. أسلم ..
فقال عامر: يا محمد ما تجعل لي إن أسلمت؟
فقال - صلى الله عليه وسلم - لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم ..
قال عامر: أتجعل لي الملك من بعدك إن أسلمت؟
لم يشأ النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعد عامرًا بوعد قد لا يتحقق ..
فكان صريحًا جريئًا معه .. وقال: ليس ذلك لك ولا لقومك ..
فخفف عامر الطلب قليلًا .. وقال: أسلم على أن لي الوبر ولك المدر .. أي أكون ملكًا على البادية وأنت على الحاضرة ..
فإذا به - صلى الله عليه وسلم - .. أيضًا لا يريد أن يلزم نفسه بوعود .. لا يدري تتحقق أم لا .. فقال: لا ..
عندها غضب عامر وتغير وجهه .. وصاح بأعلى صوته:
والله يا محمد .. لأملأنها عليك خيلًا جردًا .. ورجالًا مردًا .. ولأربطن بكل نخلة فرسًا ..
ولأغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء ..
ثم خرج يزبد ويرعد ..
فجعل - صلى الله عليه وسلم - ينظر إليه وهو مولٍّ ..
ثم رفع - صلى الله عليه وسلم - بصره إلى السماء وقال: اللهم اكفني عامرًا .. واهْدِ قومه ..
خرج عامر مع أصحابه حتى إذا فارق المدينة .. تعب من المسير .. فصادف امرأة من قومه يقال لها سلولية وكانت في خيمة لها .. وكانت امرأة فاجرة .. يذمها الناس ويتهمون من دخل بيتها ..
فلم يجد مأوى آخر .. فنزل عن فرسه مضطرًا ونام في بيتها ..
فاخذته غدة وانتفاخ في حلقه كما يظهر في أعناق الإبل فيقتلُها .. ففزع واضطرب ..
وجعل يتلمس الورم ويقول: غدة كغدة البعير .. وموت في بيت سلولية ..
أي: لا موت يشرّف .. ولا مكان يشرّف ..