فهرس الكتاب
أذكر أنا أشعلنا نارًا تحلقنا حولها .. وما أجمل أحاديث الشتاء في دفء النار ..
طال مجلسنا فلاحظت أحد الإخوة انسلَّ من بيننا ..
كان رجلًا صالحًا .. كانت له عبادات خفية ..
كنت أراه يتوجه إلى صلاة الجمعة مبكرًا .. بل أحيانًا وباب الجامع لم يفتح بعد .. !!
قام وأخذ إناءً من ماء ..
ظننت أنه ذهب ليقضي حاجته ..
أبطأ علينا .. فقمت أترقبه .. فرأيته بعيدًا عنا .. قد لف جسده برداء من شدة البرد وهو ساجد على التراب .. في ظلمة .. يتملق ربه ويتحبب إليه ..
أيقنت أن لهذه العبادة الخفية .. عِزًا في الدنيا قبل الآخرة ..
مضت السنوات ..
وأعرفه اليوم .. قد وضع الله له القبول في الأرض ..
له مشاركات في الدعوة .. وهداية الناس ..
إذا مشى في السوق أو المسجد .. رأيت الصغار قبل الكبار يتسابقون إليه .. مصافحين .. ومحبين ..
كم يتمنى الكثيرون من تجار .. وأمراء .. ومشهورين .. أن ينالوا في قلوب الناس من المحبة مثل ما نال ..
ولكن هيهاااات ..
أأبيت سهران الدجى .. وتبيته *** نومًا! وتبغي بعد ذاك لحاقي؟
نعم .. (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وُدًا) .. أي يجعل لهم محبة في قلوب الخلق ..
إذا أحبك الله جعل لك القبول في الأرض ..
قال - صلى الله عليه وسلم: إن الله إذا أحب عبدًا نادى جبريل .. فقال:
إني قد أحببت فلانًا فأحبه ..
قال: فيحبه جبريل ..
ثم يُنادى في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه ..
فيحبه أهل السماء ..
قال: ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض ..
فذلك قول الله"إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وُدًّا"..
وإذا أبغض الله عبدًا .. نادى جبريل: إني أبغضت فلانًا فأبغضه .. فيبغضه جبريل .. ثم يُنادى في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضه ..
فيبغضه أهل السماء ..
ثم تنزل له البغضاء في الأرض .. [1] ..
قال الزبير بن العوام - رضي الله عنه: من استطاع منكم أن يكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل ..
والعبادة الخفية أنواع ..
منها .. الحفاظ على صلاة الليل .. ولو ركعة واحدة وترًا كل ليلة .. تصليها بعد العشاء مباشرة .. أو قبل أن تنام .. أو قبل الفجر .. لتكتب عند الله من قوام الليل ..
قال - صلى الله عليه وسلم: إن الله وتر يحب الوتر .. فأوتروا يا أهل القرآن ..
ومنها .. السعي في الإصلاح بين الناس .. بين الزملاء المتخاصمين .. بين الجيران .. بين الزوجين ..
قال - صلى الله عليه وسلم: الا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟
قالوا: بلى ..
قال: إصلاح ذات البين .. وفساد ذات البين هي الحالقة [2]
ومنها الإكثار من ذكر الله ..
فإن من أحب شيئًا أكثر من ذكره ..
وفي الحديث .. قال - صلى الله عليه وسلم: ألا أنبئكم بخير أعمالكم
(1) رواه البخاري ومسلم، والترمذي واللفظ له.
(2) رواه أحمد وغيره.