فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 219

وأزكاها عند مليككم .. وأرفعها في درجاتكم .. وخير لكم من إعطاء الذهب والورق .. وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم .. ؟

قالوا: بلى .. وما ذاك يا رسول الله؟

قال: ذكر الله عز وجل [1] ..

ومنها .. صدقة السر .. فصدقة السرّ تطفئ غضب الرب ..

كان أبو بكر - رضي الله عنه - إذا صلى الفجر خرج إلى الصحراء .. فاحتبس فيها شيئًا يسيرًا .. ثم عاد إلى المدينة ..

فعجب عمر - رضي الله عنه - من خروجه .. فتبعه يومًا خفية بعدما صلى الفجر ..

فإذا أبو بكر يخرج من المدينة ويأتي على خيمة قديمة في الصحراء .. فاختبأ له عمر خلف صخرة ..

فلبث أبو بكر في الخيمة شيئًا يسيرًا .. ثم خرج ..

فخرج عمر من وراء صخرته ودخل الخيمة .. فإذا فيها امرأة ضعيفة عمياء .. وعندها صبية صغار ..

فسألها عمر: من هذا الذي يأتيكم ..

فقالت: لا أعرفه .. هذا رجل من المسلمين .. يأتينا كل صباح .. منذ كذا وكذا ..

قال فماذا يفعل: قالت: يكنس بيتنا .. ويعجن عجيننا .. ويحلب داجننا .. ثم يخرج ..

فخرج عمر وهو يقول: لقد أتعبت الخلفاء من بعدك يا أبا بكر .. لقد أتعبت الخلفاء من بعدك يا أبا بكر ..

ولم يكن عمر - رضي الله عنه - بعيدًا في تعبده وإخلاصه عن أبي بكر ..

فقد رآه طلحة بن عبيد الله ..

خرج في سواد الليل .. فدخل بيتًا ثم .. خرج منه ودخل بيتًا آخر .. فعجب طلحة .. ماذا يفعل عمر في هذه البيوت!!

فلما أصبح طلحة ذهب إلى البيت الأول .. فإذا عجوز عمياء مقعدة ..

فقال لها: ما بال هذا الرجل يأتيك؟

قالت: إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا .. يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى ..

فخرج طلحة وهو يقول: ثكلتك أمك يا طلحة .. أعثراتُ عمرَ تتبع؟

وخرج مرة - رضي الله عنه - إلى ضواحي المدينة .. فإذا برجل عابر سبيل نازل وسط الطريق .. وقد نصب خيمة قديمة .. وقعد عند بابها .. مضطربَ الحال .. فسأله عمر: من الرجل؟

قال: من أهل البادية .. جئت إلى أمير المؤمنين أصيب من فضله ..

فسمع عمر أنين امرأة داخل الخيمة .. فسأله عنه؟

فقال: انطلق رحمك الله لحاجتك ..

قال عمر: هذا من حاجتي ..

فقال: امرأتي في الطلق - يعني تلد - وليس عندي مال ولا طعام ولا أحد ..

فرجع عمر إلى بيته سريعًا .. فقال لامرأته أم كلثوم بنت علي: هل لك في خير ساقه الله إليك؟

قالت: وما ذاك .. فأخبرها بخبر الرجل .. فحملت امرأته معها متاعًا .. وحمل هو جرابًا فيه طعام .. وقدرًا وحطبًا .. ومضى إلى الرجل ..

ودخلت امرأة عمر على المرأة في خيمتها ..

وقعد هو عند الرجل .. فأشعل النار وأخذ ينفخ الحطب .. ويصنع الطعام .. والدخان يتخلل لحيته .. والرجل قاعد ينظر إليه ..

فبينما هو على ذلك .. إذ صاحت امرأته من داخل الخيمة .. يا أمير المؤمنين .. بشر صاحبك بغلام ..

فلما سمع الرجل .. أمير المؤمنين .. فزع وقال: أنت

(1) رواه أحمد والترمذي وغيرهما، صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت