فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 219

يفارق مصلاه .. يمضي وقته ما بين بكاء ودعاء .. هين لين عاطفته جياشة ..

دخل هذا الرجل على العابد .. وقف بين يديه ثم فجعه بقوله: أنا قتلت تسعًا وتسعين نفسًا .. فهل لي من توبة؟

هذا العابد .. أظنه لو قتل نملة من غير قصد لقضى بقية يومه باكيًا متأسفًا .. فكيف سيكون جوابه لرجل قتل بيده 99 نفسًا ..

انتفض العابد .. ولم يتخيل 99 جثة بين يديه يمثلها هذا الرجل الواقف أمامه ..

صاح العابد: لا .. ليس لك توبة .. ليس لك توبة ..

ولا تعجب أن يصدر هذا الجواب من عابد قليل العلم .. يحكم في الأمور بعاطفته ..

هذا القاتل لما سمع الجواب .. وهو الرجل الصلب الخشن .. غضب واحمرت عيناه .. وتناول سكينه ثم انهال طعنًا في جسد العابد حتى مزقه .. ثم خرج ثائرًا من الصومعة ..

ومضت الأيام .. فحدثته نفسه بالتوبة مرة أخرى ..

فسأل عن أعلم أهل الأرض .. فدله الناس على رجل عالم ..

مضى يمشي حتى دخل على العالم .. فلما وقف بين يديه فإذا به يرى رجلًا رزينًا يزينه وقار العلم والخشية ..

فأقبل القاتل إليه سائلًا بكل جرأة: إني قتلت مائة نفس!! فهل لي من توبة؟!

فأجابه العالم فورًا: سبحاااان الله .. !! ومن يحول بينك وبين التوبة؟!!

جواب رائع!! فعلًا من يحول بينه وبين التوبة؟! فالخالق في السماء لا تستطيع أي قوة في العالم ان تحول بينك وبين الإنابة إليه والانكسار بين يديه ..

ثم قال العالم الذي كان يتخذ قراراته بناء على العلم والشرع .. لا بناء على طبيعته ومشاعره .. أو قل على عاطفته وأحاسيسه ..

قال العالم: لكنك بأرض سوء ..

عجبًا! كيف علم؟ عرف ذلك بناء على كبر الجرائم وقلة المُدافع له المُنكِر عليه .. فعلم أن البلد أصلًا ينتشر فيها القتل والظلم إلى درجة أنه لا أحد ينتصر للمظلوم ..

قال: إنك بأرض سوء .. فاذهب إلى بلد كذا وكذا فإن بها قومًا يعبدون الله فاعبد الله معهم ..

ذهب الرجل يمشي تائبًا منيبًا .. فمات قبل أن يصل إلى البلد المقصود ..

نزلت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ..

فأما ملائكة الرحمة فقالت: أقبل تائبًا منيبًا ..

وأما ملائكة العذاب فقالت: لم يعمل خيرًا قط ..

فبعث الله إليهم ملكًا في صورة رجل ليحكم بينهم .. فكان الحكم أن يقيسوا ما بين البلدين .. بلد الطاعة وبلد المعصية .. فإلى أيتهما كان أقرب. ز فإنه لها ..

وأوحى الله تعالى إلى بلد الرحمة أن تقاربي .. وإلى بلد المعصية أن تباعدي .. فكان أقرب إلى بلد الطاعة فأخذته ملائكة الرحمة ..

حتى المفتين في المسائل الشرعية تجد مع الأسف أن بعضهم تغلبه عاطفته أحيانًا ..

أذكر أن أحد جيراني كان كثير الخلافات مع زوجته ..

اشتد الخلاف يومًا فطلقها تطليقه .. ثم راجعها ..

ثم اشتد أخرى .. فطلقها ثانية .. ثم راجعها ..

وكنت كلما قابلته أحذره وأوصيه .. وأذكره بأبنائه الصغار .. وأهمية اعتبارهم والعناية بهم .. وأكرر عليه:

لم يبق لك إلا طلقة واحدة - الثالثة - فإن أوقعتها لم تحل لك مراجعتها إلا بعد زواجها من آخر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت