فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 219

وتطليقه لها .. فاتق الله .. ولا تخرب بيتك ..

حتى جاءني يومًا متغير الوجه وقال: يا شيخ تخاصمنا وطلقتها الثالثة!!

وهذا الكلام منه ليس غريبًا .. إنما الغريب أنه قال بعدها: ما تعرف لي شيخًا حبيبًا يفتيني الآن أراجعها!!

فعجبت منه .. ثم تأملت في الحال فاكتشفت ما تقرر قبل قليل أن كثيرًا من الناس تختلف آراؤهم - وربما اختياراتهم الفقهية - تأثرًا بعاطفته وطبيعته ..

وبعض الناس تعلم من طبيعته أنه شديد الحب للمال .. فلا تعجب إذا رأيته يذل نفسه لأرباب الأموال .. يهمل أولاده وبيته لأجل جمعه .. يقتر على من يعول .. لا تعجب فهو طماع .. بل إن اتخاذه لقراراته وتبنيه لقناعاته ينبني كثيرًا على هذه الطبيعة .. فإذا أردت أن تتعامل معه أو تطلب منه شيئًا فضع في نفسك قبل أن تتكلم أنه محب للمال .. فحاول أن لا تعارض هذه الطبيعة فيه حتى تحصل على ما تريد منه ..

ولأن الأمثلة مفاتيح الفهوم .. خذ مثالًا:

نفرض أنك زرت مستشفى وقابلت مصادفة صديقًا قديمًا كان زميلًا لك أيام الجامعة .. فدعوته إلى وليمة غداء في بيتك .. فوافق ..

فذهبت إلى السوق واشتريت حاجات ثم رجعت إلى البيت لتستعد وجعلت تتصل بعدد من زملائكم السابقين تدعوهم لمشاركتكم الوليمة ورؤية صاحبك .. من بين هؤلاء صديق - من البخلاء الذين استولى حب المال على قلوبهم - اتصلت به فرحب وحيَّا .. فلما أخبرته عن الوليمة .. قال: آآه .. يا ليتني أستطيع الحضور ورؤية فلان .. لكني مرتبط بشغل هااام .. فبلغه سلامي .. ولعلي أراه في وقت آخر ..

فأدركت أنت من معرفتك بطبيعته أنه يخشى أن يجيء .. فيضطر إلى أن يدعو الضيف إلى بيته ويصنع له وليمة تكلفه مبلغًا وقدره .. !! وهو يريد التوفير ..

فقلت له: عمومًا هذا الضيف لن يبقى في البلد سيسافر بعد الغداء مباشرة .. فقال: آآآ .. إذن سأؤجل شغلي وآتي لرؤيته!!

وبعض من تخالطهم من الناس يكون اجتماعيًا أسريًا .. يحب أسرته .. لا يصبر على فراقهم .. اطلب منه أي شيء إلا أن يبتعد عن أولاده بسفر أو نحوه .. فلا تكلفه ما لا يطيق ..

إلى غير ذلك من طبائع الناس ..

يعجبني بعض الناس الذي يملك فن اصطياد جميع القلوب ..

فإذا سافر مع بخلاء اقتصد حتى لا يحرجهم فأحبوه ..

وإن جالس عاطفيين زاد من نسبة عاطفته فأحبوه ..

وإن مشى مع فكاهيين مرحين ضحك ومزح وجاملهم فأحبوه ..

يلبس لكل حالة لبوسها .. إما نعيمها وإما بؤسها ..

وعُد بذاكرتك قليلًا معي .. وانظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد أقبل بالكتائب لفتح مكة ..

كان أبو سفيان قد خرج إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يدخل مكة .. فأسلم ..

في قصة طويلة .. الشاهد منها أنه لما أسلم قال العباس:

يا رسول الله .. إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئًا ..

فقال - صلى الله عليه وسلم:"نعم .. من دخل دار أبي سفيان فهو آمن .."

ومن أغلق عليه بابه فهو آمن .. ومن دخل المسجد فهو آمن ..

فلما ذهب أبو سفيان لينصرف إلى مكة ..

نظر إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت