فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 219

وتنكرت لنا الأرض .. حتى ما هي بالأرض التي نعرف ..

فأما صاحباي فجلسا في بيوتهما يبكيان .. جعلا يبكيان الليل والنهار .. ولا يطلعان رؤوسهما .. ويتعبدان كأنهما الرهبان ..

وأما أنا فكنت أشَبَّ القوم وأجلدَهم .. فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين .. وأطوف في الأسواق .. ولا يكلمني أحد ..

وآتي المسجد فأدخل ..

وآتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم عليه ..

فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟

ثم أصلي قريبًا منه .. فأسارقه النظر .. فإذا أقبلت على صلاتي .. أقبل إلي ..

وإذا التفتُّ نحوه .. أعرض عني ..

ومضت على كعب الأيام .. والآلام تلد الآلام ..

وهو الرجل الشريف في قومه ..

بل هو من أبلغ الشعراء .. عرفه الملوك والأمراء ..

وسارت أشعاره عند العظماء .. حتى تمنوا لقياه ..

ثم هو اليوم .. في المدينة .. بين قومه .. لا أحد يكلمه .. ولا ينظر إليه ..

حتى .. إذا اشتدت عليه الغربة .. وضاقت عليه الكربة .. نزل به امتحان آخر:

فبينما هو يطوف في السوق يومًا ..

إذا رجل نصراني جاء من الشام ..

فإذا هو يقول: من يدلني على كعب بن مالك .. ؟

فطفق الناس يشيرون له إلى كعب .. فأتاه .. فناوله صحيفة من ملك غسان ..

عجبًا!! من ملك غسان .. !!

إذن قد وصل خبره إلى بلاد الشام .. واهتم به ملك الغساسنة .. عجبًا!! فماذا يريد الملك؟!!

فتح كعب الرسالة فإذا فيها:

"أما بعد .. يا كعب بن مالك .. إنه بلغني أن صاحبك قد جفاك وأقصاك .. ولست بدار مضيعة ولا هوان .. فالحق بنا نواسك"..

فلما أتم قراءة الرسالة .. قال - رضي الله عنه: إنا لله .. قد طمع فيَّ أهل الكفر .. !! هذا أيضًا من البلاء والشر ..

ثم مضى بالرسالة فورًا إلى التنور .. فأشعله ثم أحرقها فيه ..

ولم يلتفت كعب إلى إغراء الملك ..

نعم فُتح له باب إلى بلاط الملوك .. وقصور العظماء .. يدعونه إلى الكرامة والصحبة ..

والمدينة من حوله تتجهمه .. والوجوه تعبس في وجهه ..

يسلم فلا يرد عليه السلام ..

ويسأل فلا يسمع الجواب ..

ومع ذلك لم يلتفت إلى الكفار ..

ولم يفلح الشيطان في زعزعته .. أو تعبيده لشهوته ..

ألقى الرسالة في النار .. وأحرقها ..

ومضت الأيام تتلوها الأيام .. وانقضى شهر كامل .. وكعب على هذا الحال ..

والحصار يشتد خناقه .. والضيق يزداد ثقله ..

فلا الرسول - صلى الله عليه وسلم - يُمضي .. ولا الوحي بالحكم يقضي ..

فلما اكتملت أربعون يومًا ..

فإذا رسول من النبي - صلى الله عليه وسلم - يأتي إلى كعب .. فيطرق عليه الباب ..

فيخرج كعب إليه .. لعله جاء بالفرج .. فإذا الرسول يقول له:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت