فمعرفة أنَّ النازل غيثًا بيقين غير ممكن ، وإن عُلم أنَّ النازل من السماء [ الغيم ] موعده قريب ، من غير قدرة على تحديد الموعد الدقيق، ويؤيده ما في أسباب النزول ، فالمطر لذي يُخصب ويَنفع ، فيسمَّى غيثًا، غير معلوم للناس أبدًا على وجه اليقين والتفصيل .
المطلب الخامس
تأييد النظم القرآني لما تقدَّم
إنَّ النظم القرآني يؤيد ما ذهبنا إليه من إمكان المعرفة العامة لموعد نزول النازل من السماء أو توقعه ، دون الجزم به . ففي الاختصاص - وقد تم بيانه - الوارد بقوله تعالى:
{ إن الله عنده علم الساعة ... }
مع التأكيد بأحد أساليب التأكيد [ إنَّ ] ، هو [ تأكيدٌ ] لما قلناه .
وحين انتقل الكلام إلى الغيث ، نجد النظم القرآني ، قد تغيَّر ...
يقول تعالى: { .. وينزِّل الغيث .. }
فالنظم لا يدلُّ على حصر العلم بالله - عز وجل - ، وإن العلم اليقيني فقط محصورٌ به - عز وجل - .
وإذا كان الأمر يتعلق بقدرته على التنزيل دون سواه ، فلا شك في هذا ، [ إذ لا شبهة فيه ... ] ، كما قال الآلوسي .
على أنَّ الأمر إذا تعلق بالقدرة ، فلا دلالة في النظم على نفي القدرة عن غيره ولو بصورة محدَّدةٍ في البقعة والزمن ، وهذا يُفسر لنا أنَّ المطر الصناعي اليوم - وهو قدرة إنزال الغيث بصورة محددة - لا يتعارض مع النص الكريم ، فإنَّ لفظة [ يُنزِّل ] ، هي على شاكلة [ ويعلم ] ـ وسنتكلم عنها عند الكلام عن معرفة ما في الأرحام ـ ، فهي بصيغة المضارع التي تعني الحال والاستقبال ، فهو ينزِّل الآن ومستقبلا الغيث ، وهو قادر عليه ولا تتغير قدرته ، وهذا الأسلوب لا يعني حصر القدرة ، بل بيانٌ لعظمة القدرة مع عدم نفيِّها عن الغير، فبمقارنة قدرة غير الله - جل جلاله - المحدودة ، والكثيرة الكلفة ، فإنها لا تكون شيئا تُجاه قدرته .