فلا تعارض فيما يقوم به البعض اليوم في ضوء التقدم العلمي ، وبين النصوص إذن ، فلو قال قائل: فلان يصنع الإلكترونيات ، فلا يعني هذا نفي صناعتها عن غيره، بل ذلك بيان لما وصل إليه من معرفة، أو هي إخبار مجرد ، والمقام يحدد كون الأمرين مطلوبين ، أم أحدهما.
ويؤيد هذا الفهم ما أشار إليه الإمام الآلوسي [ رح ] بقوله:
[ ولم يراع هذا الأسلوب .. بأن يقال: يعلم الغيث مثلًا ، إشارة بإسناد التنزيل إلى الاسم الجليل صريحًا إلى عِظم شأنه ، لِما فيه من كثرة المنافع لأجناس الخلائق ، وشيوع الاستدلال بما يترتب عليه من إحياء الأرض على صحة البعث ] . [1]
فالقرآن الكريم يريد أن يقول للأعرابي:
[ يا أيها السائل إنك تسأل عن الساعة أيَّان مُرساها ، وأنَّ من الأشياء ما هو أهم منها لا تعلمه ، فإنَّك لا تعلم معاشك ومعادك ، وإنَّك لا تعلم ماذا تكسب غدًا ، مع أنه فعلك وزمانك ، ولا تعلم أين تموت ، مع أنَّه شُغلك ومكانك ، فكيف تعلم قيام الساعة متى تكون والله تعالى ما علمك كسب غدك ؟ ، ولا علمك أين تموت مع أن لك في ذلك فوائد شتى ؟ ، وإنما لم يعلمك لكي تكون في كل وقت بسبب الرزق راجعا إلى الله تعالى ، متوكلًا عليه سبحانه ، ولكيلا تأمن من الموت إذا كنت من غير الأرض التي أعلمك سبحانه أنك تموت فيها ، فإذا لم يُعلِّمك ما تحتاج إليه كيف يُعلِّمك ما لا حاجة لك إليه ، وهو وقت القيامة ، وإنَّما الحاجة إلى العلم بأنها تكون ، وقد أعلمك جل وعلا بذلك على ألسنة أنبيائه ] . [2]
(1) 37) الآلوسي - 20 / 109.
(2) 38) المرجع السابق-20 /111.