* - إنني ما زلت أذكر ذلك اليوم الذي قلب طفولتي رأسًا على عقب، إنه اليوم الأول لدخولي المدرسة، لم أكن أعرف قبل ذهابي إلى المدرسة بأنني أعشق الحرية إلى هذا الحد، وعندما قرع الجرس الذي سمعت صوته لأول مرة في حياتي دخلنا إلى الصف بشكل عشوائي غير منظم، فدخلت إلى غرفة الصف وسط جموع الأطفال الذين كانوا يصدرون أصواتًا عالية تصم الآذان، وكأنهم يتنافسون في إصدار هذه الأصوات، وبدأ الازدحام على المقاعد الأمامية وعمت الفوضى داخل الصف وأنا صامت أنظر حولي وأتساءل: لماذا كل هذا الضجيج؟ هل هؤلاء الصغار فرحين إلى هذه الدرجة؟ ومشيت في الممر بين صفوف المقاعد، وقد قررت أن اجلس في المقعد الأخير الذي يستند إلى جدار الغرفة، وكنت أترنح من لكمات التلاميذ الذين يقفزون ويثرثرون وكأنهم وجدوا لعبة جديدة يتسلون بها، وشعرت لأول مرة بالغربة، وضاقت بي الدنيا على رحبها،وأحسست بالاختناق، وفجأة دخل الأستاذ (الذي عرفت فيما بعد أن اسمه سعيد) دخل إلى غرفة الصف بسرعة فوجد بعض التلاميذ يعبثون بالسبورة، ويرسمون عليها بالطبشور خطوطًا متداخلة، وبلحظة واحدة استطاع الأستاذ سعيد أن يلطم اثنين من التلاميذ كان أقرب التلاميذ إليه، بينما لاذ الباقون بالفرار إلى مقاعدهم ليستقروا عليها، وصاح الأستاذ سعيد بصوت قوي: قيام، فمن عرف ما تعني تلك الكلمة وقف منتصب القامة، ومن لم يعرف ما تعنيه هذه الكلمة تأخر قليلًا ثم وقف، وحذا حذو زملائه، وقد وقف الجميع بمن فيهم أنا، وهنا وضع الأستاذ سعيد يديه وراء ظهره، وأخذ يحملق بنا جميعًا بنظرات غاضبة يوحي إلينا من خلالها أنه مرهوب الجانب، ولا يحب الفوضى، وبعد أكثر من دقيقة، والصمت يلف غرفة الصف، وخلال ذلك كانت تتسلل إلى أنفي رائحة عطر نفاذة تأتي من قبل الأستاذ سعيد، وقد شعرت بعدم الارتياح للأستاذ سعيد، وكرهت رائحة العطر تلك على رغم طيب هذه الرائحة لأنني صرت أعتبر كلما شممتها أنها تقترن بذلك