المعلم قاسي القلب،وبعد تلك الفترة من الصمت طلب منا الجلوس، وخرج من الصف دون أن يتفوه بكلمة واحدة، فتنفست الصعداء وارتاحت نفسي قليلًا، فتذكرت البيت ودجاجات أمي، وقلت في نفسي: من سيجمع محصول هذا اليوم من البيض؟ لماذا أحس بالغربة إلى هذا الحد؟ ولم أدرِ يومها أن سبب ذلك كله هو عشقي للحرية، تلك الحرية التي تفوق كل العلوم وتتجاوز كل جدران المدارس ومقاعد الدراسة، وبعد قليل دخل غرفة الصف أستاذ، ممتلئ الجسم، متوسط القامة، تبدو عليه الرصانة والهدوء، فوقفنا جميعًا دون أن نعطى أمرًا بذلك، فأشار لنا بالجلوس، ثم راح يقلب نظره في التلاميذ، وبعد هنيهة قال لنا: اسمعوا يا أبنائي! أنتم أيها التلاميذ أتيتم إلى المدرسة كي تتعلموا، فالعلم نور يضيء لكم طريق المستقبل، وستكبرون وتصبحون رجالًا مثلي، فكونوا مجدين، وأقبلوا على العلم وأحبوه، وأطلب منكم أن تعتنوا بالنظافة، فالنظافة من الإيمان، وليس من المهم أن يرتدي أحدكم ثيابًا جديدة، بل المهم أن تكون ثيابه نظيفة، ولو كانت متواضعة، ثم أدار لنا ظهره وأمسك بالممحاة، واخذ يمسح السبورة، فقد بدأ الدرس الأول.
وبعد انتهائه من مسح السبورة بالممحاة، كتب بالطبشور بعض الحروف الهجائية، وأخذ يشرح كيفية لفظها، وطلب منا حفظها،فسررت من الدرس، وأحببت ذلك المعلم، ويومًا بعد يوم تأقلمت مع الحياة الجديدة، وصرت أذهب إلى المدرسة وأنا مسرور، ولكن شعوري بالغربة لم يكن يفارقني كلما خرجت من البيت متوجهًا إلى المدرسة، وعلى رغم ذلك فقد أصبحت متفوقًا في دروسي، وحققت لأهلي ما كانوا ينتظرونه من ابنهم المدلل.