وحكى ابن العربي عن الزبير بن بكار قال: سمعت مالك بن أنس وقد أثاره رجل فقال يا أبا عبد الله من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر، قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: وأي فتنة في هذه إنما هي أميال أريدها، قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سُبقت إلى فضيلة قصّر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم،إني سمعت الله يقول: [فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] ) [1] .
(2) ومن الآيات الدالة على التحذير من مخالفة السُنَّة ووجوب الرجوع إليها قوله تعالى: [فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا] [2] . فمن لم يرض بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخالفه فقد نفى الله عنه الإيمان.
قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: [فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ] ، يقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكِّم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له ظاهرًا وباطنًا، وبهذا قال: [ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا] ، أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم،فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، يسلمون لذلك تسليمًا كليًا من غير ممانعة ولا منازعة [3] .
(1) أخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه (1/146) ، حلية الأولياء لأبي نعيم (6/326) ، البيهقي في المدخل للسنن الكبرى رقم236.
(2) سورة النساء:65.
(3) تفسير ابن كثير (1/520) .