فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 8

يحاسب العباد على ما سيفعلونه قبل أن يفعلوه، ولا يأتي بهم يوم القيامة ويقول: أنا خلقتكم وأنا أعلم ماذا ستعملون، فسأكافئكم وسوف أحاسبكم وأعاقبكم أو أكرِّمُكم على ما كنتم ستعملونه لو عملتموه. كلا، لأن الله يريد أن لا تكون للناس حجة. ولذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب وبيَّن وشرع وأمر بالبلاغ. أمر الرسل بالبلاغ، والدعاة والعلماء بالبلاغ، لئلاّ تكون للناس حجة. لئلا يأتي الناس يوم القيامة ويقولون: ما بلّغنا أحد، ما علّمنا أحد، ما أنذرنا أحد. وأيضًا أُعْطوا الإرادة والفرصة في الحياة ليعيشوا ويعملوا ليُحاسبَهم على ذلك. ولو أنه حاسبهم يوم القيامة قبل أن يعملوا فعاقب ونعَّم لقال المُعاقَبون: ما أعطينا فرصة لنعمل. عُذِّبنا على أشياء لم تصنعها أيدينا. ولذلك أعطاهم الفرصة. فلو قال قائل: لماذا لا يعطي الله أهل النار فرصة ليرجعوا إلى الدنيا بعد أن نالوا العذاب؟ فقد أخبرنا ربنا عن ذلك فقال: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} ، {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} (الأنعام: من الآية28) . فالغفلة مسيطرة , ولو رجع أهل النار إلى الدنيا وأعطوا فرصة أخرى للحياة على الأرض لرجعوا إلى ما كانوا عليه. وهذا الغيب لا يعلمه إلا هو. لو حصل كذا ماذا كان سيكون، هذا من علمه تعالى فأخبرنا به فقال: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} (الأنعام: من الآية28) .

الله سبحانه وتعالى يبتلي {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} (الأنعام:42) . فلو قال قائل: هذه الحروب والاستيلاءات والغدر والعدوان والبغي والظلم والفساد قدّره تعالى ليسيطر هؤلاء الكفار اليوم على ما يسيطرون عليه، لماذا؟ فنقول: {فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} . فحِكَم الله من أفعاله كثيرة، وذكر لنا الغاية من الابتلاء. وقد لا يكون بيدِ العدو فقط، فقد يكون قحطًا وبلاءً وغلاءً وزلزالًا. ضرّاء، بأساء. قال: {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} . فمن فهم الحكمة من وراء الابتلاء تغيرت حياته. تغيّرت حياته. استقامت أموره! لماذا لا يغني الله كل الناس ولا يبقى فقير على وجه الأرض. إننا نراهم وهم يموتون في تلك القارات المنسية والبلدان النائية والأماكن المُجِدبَة. فتتحطّم القلوب وتتألّم النفوس على هذه المناظر لهؤلاء الصغار وهم يقضون موتًا من الجوع والفقر. {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا} (الشورى: من الآية27) . إذًا هنالك بغيٌ أعظم من البغي الموجود الآن بأضعاف مضاعفة، ولا تتصوره في عقلك. ربما {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا} . وأيضًا فهذا الفقير الذي يموت في فقره حسابه يسير بالنسبة إلى ذلك الغني، ودخول الجنة قبل. هذا الابتلاء مكّفر للسيئات، مقصر للحساب. وقفة الحساب. أليست تطول بحسب الأموال؟

عباد الله!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت