أحلامهم وأوهامهم ظنونهم، وأفكارهم كتبهم وأفلامهم، تقوم على هذا. ذلك ظن الذين كفروا. ولذلك إذا قلت: ما الفرق بيننا وبين الكفار؟ الفرق شاسع يا مسلم {ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} . إذا قلت: ما هو التميز بين عجوزٍ من عجائزنا وصانعٍ مخترعٍ من العقول المبتكرة عند أولئك القوم. الفرق أكبر من الأمية هنا والتعلّم والاختراع هناك. هنالك فرقٌ أكبر وهو أن العجوز تؤمن بالله وترفع إليه يديها في شَكَاتها. وهؤلاء لا يعرفون لهم ربًا، بل يتندّرون به ويهزأون ويسخرون كما رُئِيَ ذلك كثيرًا في كلامهم ومقالاتهم وصحفهم. وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ* لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ} (الانبياء: 16 - 18) . أفعاله تعالى تابعةٌ لحكمته ومقصودةٌ لغايتها الحميدة وعواقبها التي يريدها الله منها. خلقنا وقال لنا: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (هود: من الآية7) . خلقَنَا وقال لنا: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذريات:56) . وأفعاله تعالى الصادرة عن حكمته قد نعلم تلك الحكمة من ورائها وقد لا نعلم. وقد نعلم شيئًا من الحكمة ولا نعلمُها كلها. وقد يطّلِعُ بعض العباد كالأنبياء والعلماء على شيءٍ من حكمته لا يطلع عليها بقيّة الناس. ولهذا كان العلماء أخشى الخلق لله. {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (فاطر: من الآية28) . لأنهم يرون من حكمته في خلقه وفي شرعه ما لا يراه عامة الناس. وكلما تدرّج الإنسان في العلم ليكون طالبًا له ومريدًا ليصبح من العلماء بعد ذلك يرى وهو يتدرّج ما يزيد إيمانه من حكمته سبحانه في خلقه وفي شرعه.
إنه حكيمٌ عليم، لا يفعل شيئًا عبثًا ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة. وكثير من الناس الآن إذا صنعوا أشياء يصنعونها عبثًا. وإذا قلت له: لماذا تصنع هذا؟ قال: لأدخل كتاب غينيس للأرقام، ليس إلا. أفعالهم فيها هدر للمواد والمصادر والأموال والأوقات. أفعالهم فيها ظلمٌ واعتداء وجبروت كما تراه في طغيان هذه الأمم الظالمة اليوم. يغزون ويحتلون ويقتلون ويقاتلون للسيطرة، لا لينشروا عدلًا ولا رحمةً ولا فضلًا. فهذا بعيدٌ عنهم كما دلّ الواقع على ذلك. وكثيرًا ما يُخطئون في الحسابات فيريدون أشياء وتحصل أشياء أخرى. وهذا يدل على سَعَة علمه سبحانه وهم لا يعلمون، وعلى حكمته عز وجل وهم يعبثون، وعلى فضله وعدله وهم يظلمون. ومن تأمل أفعال العباد وقارنها بأفعال خالقهم عرفَ حكمة الله وجهل هؤلاء. يفعل الله أمورًا ليبتلي بالبأساء والضراء. لماذا؟ الناس بدون ابتلاءات لا يرجعون إلى الله. الناس بدون ابتلاءات يغترّون بالدنيا. الناس بدون ابتلاءات لا يعرفون الفرق بين الجنة والدنيا. قد يسلّط الله بعض الناس على بعض فيقتلون ويخربون ويدمرون. فلماذا؟ {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} (آل عمران: من الآية140) . وبعض الناس يقول: ما الحكمة من تسليط الكفار على المسلمين؟ فنقول: حِكَم لله، لماذا ينهزم المسلمون في بعض المعارك؟ حتى مع النبي صلى الله عليه وسلم يحصل لهم هزيمة؟ الجواب: {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} (آل عمران: من الآية140) . الجواب: {لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} (المائدة: من الآية94) . الجواب: ليعلم الله المنافقين. الجواب: ليعلم الله من يثبت ومن يرتد على عقبيه ومن ينهزم، لما كلّفهم فقال: {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} (لأنفال: من الآية45) لا تولوا الأدبار. فهو يبتلي، فهو يفعل ليبتلي، وليظهر علمه في الواقع. هو يعلم النتيجة قبل أن تحصل وقبل أن يخلقهم، ولكن ليظهَر علمه، لتقوم الحجة، لأنه سبحانه وتعالى قضى بحكمته أنه لا