وتتجلى تجربة هارون الرشيد كشاهد على هذا النجاح من بعد تجربة عمر بن عبد العزيز، ومن مقاربة قاربها أبو جعفر المنصور، فإن هارون الرشيد خليفة مؤمن عادل، حضاري الرؤية والممارسة، وارتفع بهمم الناس في زمنه لتتوازى مع تحليقات همته السامية، وذلك واضح فيما وصفه به الثقات، وهو هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور، بويع له سنة 170 هـ ومات سنة 193 هـ، قالوا:
(كان من أحسن الناس سيرة وأكثرهم غزوًا وحجًا، ولهذا قال فيه أبو السعلي:
فمنْ يطلبْ لقاءكَ أو يُردهُ فبالحرمينِ أو أقصى الثغورِ
(وكان يحبُّ الفقهاء والشعراء ويعطيهم، ولا يضيع لديه بر ومعروف، وكان نقش خاتمه لا إله إلا الله، وكان يصلي في كل يوم مائة ركعة تطوعًا، إلى أن فارق الدنيا، إلا أن تعرض له علة) ، وزوجته زبيدة (كانت أرغب الناس في كل خير وأسرعهم إلى كل بر ومعروف) ، وفضائل الرشيد ومكارمه كثيرة جدًا (1) ، ولذلك كان عصره أزهى العصور، وطريقتنا في الاستمداد من مفاخر السلف تقرر بان داعية الإسلام اليوم لو تمنى حاكمًا يطيل السجود ويحفظ التهجد ويحج ويجاهد: فإنه إنما يتمنى أمرًا واقعيًا هو في قدرة البشر، وليس خياليًا ولا فيه إعنات بل هو طبيعي مألوف وأمر ينساب انسيابًا من غير تكلف إذا كان القلب حيًا وطاهرًا، وفي الأصل نجابة، وإذا أراد حاكم أن يتوب من الكسل والهوى العلماني فانه عما قريب سيكون شريكًا في الحضارة نشطًا، بل يمكن أن يأتي بحضارة إسلامية متميزة عن حضارة الانحراف الحالية العالمية هي تكرار لحضارة أيام الرشيد الإيمانية، وفي هذا ما يعطي لنقدنا السياسي شرعية وصوابًا، فان الدعوة الإسلامية إنما تنقد انحرافات الحكومات العلمانية لا استنادا إلى نصوص الشرع فقط بل إلى ما ظاهرها من هذه الحقائق التاريخية أيضًا.
(1) البداية والنهاية10/230.