كلما واجه المؤمن الصعاب، وحاصرته المشكلات: أسرع الرجوع إلى مفاخر التاريخ الإسلامي، يستنطقها وينهل منها ويستعير حلًا مناسبًا لما هو فيه، وهذا النمط الذي تولع به الدعاة وعامة المسلمين تجابهه اعتراضات من كثير من النقاد، ويحسبونه ضربًا من التصرف العاطفي، وتهربًا من واجب التفكير الإبداعي، ومن ثم تكون لهم جرأة في اتهام هؤلاء المستلهمين للتاريخ بالرجعية والقصور.
ولست مع هؤلاء المنكرين، ولا استظرف أسلوبهم في ازدراء العبر التاريخية وما تحمل من قدرة على الوعظ والتعليم لحائر أصابته الدهشة فنوى حث الأجداد على أن يعينوه برأي، بل ذلك تصرف معرفي سليم ونهج تخطيطي قويم ما دام الداعية صاحب نظر جلي في التفريق بين الثابت والمتغير، ودلالة النص وطبائع المصالح وأحكام الضرورات، فان الخلل إنما ينشأ من الاستعارة الجامدة وتقليد تجارب السلف حرفيًا، وأما صاحب المرونة الذي له فهم للواقع المتغير ويأخذ يستعير ويدع بما تستلزمه مداراة المستجدات فانه في سلوك علمي صحيح.
بل أنا أذهب إلى أبعد من هذا وأرى في أي تجربة تاريخية دليلًا كاملًا على واقعية الإسلام وقابلية مذاهب الفقه والتربية الإيمانية على أن تتجسد في عالم الواقع وتكون تجربة إنسانية حقيقية تنفي ما يتهمنا به الفلسفي والعلماني من أنَّ الإسلام كله رمزيات ومثاليات وتحليقات في عالم الأوهام، فحدوث تلك التجارب عبر التاريخ الإسلامي الطويل شاهد على أن الصفات الأخلاقية العالية التي يطلبها الإسلام من الإنسان ممكنة الحدوث ويمكن أن تصاغ عمليًا وتظهر آثارها الإصلاحية في المجتمع، وبخاصة إذا كان المهتدي الخلوق خليفةً وحاكمًا، إذ أن سلطته تجعل جمهور الناس يقلدونه في طريقته الأخلاقية وعفافه وعدله، ويكون منهم إذعان عن طواعية لأوامره وخططه البناءة، ولطموحاته الحضارية.