فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 74

وهذا الحال، ثم طروء هذه الحقيقة التي بدأت تجبر الأميركان على التقلص: تغري الدعوة الإسلامية العراقية أن تستثمر أجواء الديمقراطية مهما كانت ناقصة، وأن تحاول إثبات جدارتها في تحدي التيارات الأخرى عن طريق المشاركة في العملية الانتخابية البرلمانية، وهذه أُمنية سهلة في اللسان والخيال، ولنا أن نتمنى ما نشاء، لكنها صعبة في ساحة الواقع، ولن يكون نيل الأصوات من الشعب ميسورًا، وذلك لأنَّ الشعب العراقي كان محرومًا، وأضرت الحروب ثم الحصار بمصالح كل عائلة وفرد، واقترنت بذلك تربية من"صدام"لهم على المصلحية والنفعية والتبعية والخوف والمداهنة، في أنواع أخرى من الأسواء والسلبيات والطبائع الضعيفة، بحيث صار الوعي الانتخابي مضمحلًا، وصار بالإمكان شراء الأصوات، فدخلت الدول الإقليمية على الخط تبذل مالًا وتشتري الضمائر، ودخلت فصائل المتعاونين مع الأميركان على الخط أيضًا، تبذل الوعود بالمناصب والوظائف، وأصبح الأحرار الذين يتمسكون بثوابت الإيمان والشرع وينحازون إلى صف الدعاة والمصلحين أرهاطًا قليلة في كل مدينة مقابل غثاء نفعي يبيع مستقبله بثمن بخس، وزادت المشاعر الطائفية والقومية والجهوية في اختلال المعادلة، حتى بات جليًا لكل داعية مصلح أنَّ الدعوة يجب أن تقدم لحملاتها السياسية بحملات تربوية فكرية ووعظ إيماني ورقابة سلوكية، لعل القلوب تفيق من سكرات الصفقات الخاسرة المعدومة البركة، ولعل النوايا تميل إلى صفاء وبراءة من الشوائب والاختلاطات والنفعيات التي ما أنزل الله بها من سلطان، ثم لعل الأفكار ترجع إلى موازين القرآن ووصايا الفقهاء، وبدون مثل هذه التربية والتصفية لا نستطيع أن نحمل جموع أبناء الشعب على الصمود أمام مغريات الدولار المبذول، وهذا عودٌ على بدء، وانعطاف نحو أول ما كانت عليه المسيرة ، لان الفرصة التي أُتيحت لشيطان أن يفسد كانت طويلة، ولأن الضربات التي تلقاها العراق خلال قرن كامل كانت شديدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت