فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 20

والحديد، وحسب قوانين هندسية تتعلق بعمق الأساس وسمك الجدار ... وهناك عوائق ومؤثرات ثقافية واجتماعية تعيق الفرد إذا لم يوضع ضمن مشروع متكامل.

ومن الاضطراب في المنهج رفع الشعارات الكبيرة التي يصعب تحقيقها في الواقع وتحول الوسائل إلى غايات، فالجماعة بنظمها ومؤسساتها هي وسيلة للعطاء، وخميرة للنهوض، ولكن هذه النظم تحوّلت إلى غاية يجب الحفاظ عليها ولو بالانغلاق عن الأمة، وعدم الاستفادة مما عند الآخرين، فكل شيء يجب أن يقبل باسم (التنظيم) والمصلحة. مع أن حفظ الدين والعقيدة أهم من حفظ الدين والعقيدة أهم من حفظ الجماعة، ومن حفظ النفس والمال، والدليل قصة موسى-عليه السلام-حين قال لأخيه هارون: (اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) ولما رجع موسى-عليه السلام-وجد قومه يعبدون العجل، فقال مخاطبًا هارون عليه السلام: (مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلاَّ تَتَّبِعَنِ، أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي؟ قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) (سورة طه، رقم الآية:92/ 94) .

قال الشيخ الطاهر بن عاشور-في: (التحرير والتنوير) (16/ 172) : (وهذا اجتهاد منه-أي: هارون-في سياسة الأمة؛ إذ تعارضت عنده مصلحتان: مصلحة حفظ العقيدة، ومصلحة حفظ الجماعة من الهرج، وفي أثنائها حفظ الأنفس والأموال والأخوة بين الأمة فرجح الثانية، وإنما رجحها لأنه رآها أدوم، فإن مصلحة حفظ العقيدة يُستدرك فواتُها الوقتيُّ برجوع موسى وإبطاله عبادة العجل ... وكان اجتهاده مرجوحًا، لأن حفظ الأصل الأصيل للشريعة أهم من حفظ الأصول المتفرعة، لأن مصلحة صلاح الاعتقاد هي أم المصالح التي بها صلاح الاجتماع ) .

قال أبو الفضل عمر الحدوشي: (ولعل في هذا الذي قرره هذا الفاضل-شيئًا من النظر، فلا يعقل أن يكون هارون-عليه السلام بهذه الضحالة المنهجية، ودليله:(إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني) ، فهذا لإنكاره عليهم، فلا شك أنه قدم مصلحة حفظ أصل الدين على حفظ الجماعة، ولكنه عند ما غلب على أمره آثر حفظ الجماعة على لا شيء لأنه علم أن أخاه موسى-عليه السلام-أقوى قيامًا بالحق وأشد على أهل الباطل منه، وهذا الذي قررناه هو الذي يفهم من كلام أهل التفسير.

وقد ذكر الحافظ ابن كثير-رحمه الله تعالى-في: (تفسيره) (9/ 361/362 - تحقيق: جماعة من المشايخ، من مطبوعات: دار عالم الكتب) ، ما يفهم منه هذا الذي ذكرنا، لمن أراد أن يرجع إليه.

بل أوضح منها ما قاله الحافظ ابن كثير-رحمه الله تعالى-في: (تفسيره) (6/ 396/398 - سورة الأعراف، رقم الآية:150/ 153) عند قوله تعالى: (قال ابن أم إِنّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ ولا تجعلني مع القوم الظالمين) أي: لا تسقني مَسَاقَهم، ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت