فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 20

فقد أطلعني جناب الشيخ الشاب الفاضل، المجاهد الأصيل، والكاتب النبيل: (ميسرة بن علي بن موسى بن عبد الله الجبوري القحطاني) على بحث غاية في الروعة، أودعه في سفر مفرد، وفي صدفة موصدة نادرة، ألفيته كما قال سيدنا عمر بن الخطاب في حق ابن مسعود-رضي اللَّه عنهما-: (كنيف ملئ علمًا) (والأثر إسناده صحيح، رواه ابن سعد، وأبو نعيم، وذكره الحافظ الذهبي في:(سير أعلام النبلاء) (1/ 491) ، و (ذاكرة سجين مكافح) (4/ 67) ... ).

وكنيف: تصغير كنيف وهو الوعاء، وقال هذا نظرًا لصغر جسمه ورقة ساقيه-وهما أثقل في الميزان عند الله من جبل أحد-مع أنه من أعلم أصحابه.

وأنا أقولها نظرًا لصغر سنه، ورصانة أسلوبه، علمه أكثر من سنه، فسفر كُنيِّفٌ ملئ علمًا، تحصيفًا، وتوصيفًا، وترصيفًا، وتصفيفًا، بئر لا تكدره الدِّلاء، ولا يُدرك عُمقه، كنز من كنوز العلم في بابه من غير مثنوية، والشأن معه كما قال الحافظ ابن الجوزي في: (الحدائق في علم الحديث الزهديات) (1/ 28/29) : (كنوز العلم في اختياره وحسن اختصاره) .

وكأن الإمام الشعبي-بلديّ المؤلف-عناه حين قال: (العلم أكثر من أن يُحصى، فخذوا من كل شيء أحسنه-ولا تصح نسبته لعلي بن أبي طالب-رضي الله تعالى عنه-كما زعم الجاحظ) .

وقال محمد بن سيرين: (العلم أكثر من أن يُحاط به، فخذ من كل شيء أحسنه، وفيما بين ذلك سقطات الرأي وزلل القول، ولكلِّ عالِمٍ هَفْوَة، ولِكُلِّ صَارِمٍ نَبْوَة- ولكُلِّ دَاخِلٍ دَهْشَة، ولكُلِّ جَوَادٍ كَبْوَةٌ-ويُقَال: نَبَا السيفُ إذا تجافى عن الضريبة، وكَبَا الفرسُ: عثر) .

ومعلوم عند العقلاء، والفصحاء، والبلغاء أن: (اختيار الرجل وافدُ عقله، واختيار العلم أشد من جمعه، والاختيار أحد البلاغتين ... وللعلم أرواح وأجساد، فخذوا أرواحه ودعوا أجساده، فإن الحكماء تكتب أحسن ما تسمع، وتحفظ أحسن ما تكتب، وتحدث بأحسن ما تحفظ) .

وقال أفلاطون: (عقول الناس مدونة في أطراف أقلامهم، وظاهرة في حسن اختيارهم) .

وقديمًا قيل:

قد عرفناك باختيارك إذ كا * ن دليلًا على اللبيب اختياره

ولهذا السبب قال المعتزلي الأديب أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في كتابه: (البيان والتبيين) (1/ 197) : (وكان سهل بن هارون يقول:"سياسة البلاغة أشد من البلاغة، كما أن التوقّي على الدواء أشدُّ من الدواء") .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت