وبعض من يضع سوادًا في بياض: ولا سيما من يحب رشق الإسلام بالألسنة، ومشق أهله بالأسنة، لغتهم مقبوحة منبوحة مشقوحة، ومؤلفاتهم ومقالاتهم تطعن الإسلام وأهله بجهل فاضح، وأسلوب قبيح، أجَلْ مؤلفات ومقالات لو وزنت بالفحم، أو: كتبت به كان كثيرًا في حقها، (مصيبة لا لَعَا لها) ، و (معضلة لا أبا الحسن لها) ، ومقالات ومؤلفات لا يحسن مثلها الشيطان، (يخط في الرق خطًا، كأنه خط شيطان) .
و (لا لها عند الله عدد ولا مقدار-كما في:(سير أعلام النبلاء) (10/ 546) .. ، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء.
يكتبون بأسلوب حلزوني يقطر بلاعةً-بالعين المهملة-أما جزء أخينا (ميسرة بن علي القحطاني) ترى فيه: (البلاغة التي تبرز المعاني في حُلة زاهية، وصورة وضاءة) .
لو رأيتني وقت قراءتي لهذا السفر الجميل، والجزء الصليل، وأنا أنظر كل مرة إلى ما بقي من صفحاته خوفًاَ أن ينتهي بسرعة، لأن من الكتب من تقرؤها وتدعو الله أن يتمها بسرعة، ومن الكتب من تدعو الله أن لا تنتهي بسرعة، ومن هذا الصنف مقال أخينا الشيخ أبي مارية، أشتهي أن لا يسكت قلمه، فقد أصاب كبد الحقيقة في وصف الداء، وإعطاء الدواء، في أحوال الفصائل، والجماعات الإسلامية التي تفرقت شذَرَ مذَر، واختياره دال على اختباره ومَخبَره، قد جمع الهدوءَ والتمهل، والجزالة والحلاوة، والطلاوة والنقاوة، طبَّق الْمَفصل، وأغنى عن المفسِّر- (والمفسِّر كالمفسَّر) -وفلَّ الْمحَزّ، وأصاب المفصِل، وجعل مقالَه وأسلوبه موزونًا متزنًا رصينًا مثل التوقيع، بلوغ وإبلاغ وتبليغ وبلاغة، نفَسٌ وأنفاس، أسٌّ وأساس، أمل وآلام، وكرائم الألفاظ المنتقاة، وشمس البلاغة والعلوم، وكنز الْحِكَمِ والمنظوم، يحمل عبارات المبدعين، ولؤلؤة وعقود وجواهر مرصعة عالية، آية في الجودة والنصاعة والصراحة، فكل المجاهدين والعاملين في الساحة سيغترفون من بحر كنوز مقالاته المنسَّقة، والموثَّقة، ويعترفون بسيلان ذهنه وقلمه، وما أحراه بقولي:
صبرًا فكل الصيد فِي جوفِ الفَرَا * لا يشغلنّ لبيبَكم من ينعقُ
وله في هذا المقال استعمالات يحج إليها الباحثون، وإليها تنقطع أعناق العِتاق السُّبَّق، وونَتْ عنه الجياد القُرَّح، و (كم من صغير احتاج إليه الأكابر) ، و (مَنْ عّزَّ بَزَّ، ومَنْ جَدَّ وَجَدَ، ومَنْ زَرَعَ حَصَد) ، و (مَنْ عَرَف ما قصَد هانَ عليه ما وجَد) ، وكبير الهمة لا يقنع بالدون، ولا يخشى الدوائر، ولا يرضى إلا بمعالي الأمور، ولا يطمع في الخسيس الزائل، ومن أراد عظيمًا خاطر بعظيمته، لأن (الصندوق الممتلئ بالجواهر لا يتسع للحصى، والقلب الممتلئ بالحكمة لا يتسع للصغائر) .