فخلال قرأتنا لكتاب الله, استوقفتنا آيات بينات ضمن مجالنا اختصاصنا البسيط, وأخذت تتفيء بظلالها على مخيلتنا شيئا فشيئا, وإذا بها تقودنا بين مسالك الآيات والسور, وتدفعنا إلى هناك حيث الأزمنة الغابرة وتعود بنا قبل أن يرتد طرفنا إلينا للوقوف على واقع لا يختلف كثيرا عن واقع القرون الأولى, فالجوهر واحد, والمسيرة واحدة, وكأنها خطوات لم تنمح آثارها أمام رياح التغيير التي عصفت باركان البشرية عبر الأزمنة.
فما أشبه اليوم بالبارحة
ولقد صور الكثير أن حركة العمران البشري هو صراع متواصل بين الإنسان والطبيعة لضمان بقائه, والحقيقة أن هاته المعركة هي وهمية يراد من ورائها إفراغ الإنسان من جوهر وجوده, وإبعاده عن معركته الحقيقية وهي خلافة الله سبحانه وتعالى لعمارة الأرض.
إذ كيف يراد لهذا الإنسان أن يقضي حياته, وهو يصارع موجودات قد سخرت لأجله من اجل مساعدته على حمل الأمانة وبلوغ الغايات الأسمى.
فالصراع الحقيقي هو صراع الإنسان مع نفسه لحملها على فعل الخير.
فالنفس أمارة بالسوء كما ورد في كتابه عز وجل (وما أبرء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ) , ولقوله كذلك (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) البقرة الآية [30]
والصراع كذلك مع الشيطان ...
هذا الذي يريد أن يضل الإنسان عن الغاية من وجوده, وعن الطريق السوي, وهذا بإتباع أدنى طريقة وأحطها وهي استغلال مواطن ضعف هذا المخلوق الذي فضله الله على كثير من ما خلق, وأمر الملائكة الأطهار بالسجود له تكريما وإجلالا.